عظات راعي الأبرشية بالكلمة والصوت

  • عيد القديسة برباره في راسمسقا - 2010-12-04 - Download

     

     
    عيد القديسة برباره في راسمسقا 
    4/12/2010
     
    "أيُّها الأحبّاء، نجتمع اليومَ لنعيّد للقدّيسة بربارة، الّتي عاشت ما بين القرنَين الثالث والرّابع. عجيبٌ أمرُ هذه القدّيسة وسواها من القدّيسين الّذين عاشُوا في الأزمنة الغابرة، وما زِلْنا نعيّدُ لَهُم منذ مئاتِ السّنين حتّى اليوم. يتساءَلُ المَرءُ: ما سِرُّ أُولئكَ الأشخاص؟ لا بُدَّ مِن وُجُودِ سِرٍّ ما، لا بُدَّ مِن وُجودِ شيءٍ مميَّزٍ جِدًّا فِيهِم، حتّى أنّ العالَمَ كُلَّهُ يُكرِّمُهُم، وَيستمرُّ في تكريمِهِم طيلَةَ هذه المدّة الطّويلةِ من أزمنةِ التاريخ!
           سِرُّهُم هُوَ أنَّهُم كانوا شهودًا للمسيحِ إزاءَ الوَثَنِيّة. القدّيسةُ بربارةُ صاحبةُ هذه الكنيسةِ المقدَّسة، والّتي نحنُ مجتمعونَ اليومَ لنُقِيمَ عيدَها، قَتَلَها والدُها بِيَدِه. قَطَعَ رَأسَها، لأنّه كانَ وَثَنِيًّا، ولم يَنجَحْ في إقناعِها باتِّباعِ تلكَ الضَّلالات. فبَقِيَتْ ثابِتَةً على إيمانِها بالرَّبِّ يَسُوعَ المسيحِ الإلهِ- الإنسان، ولم تَتَراجَعْ، بل دفَعَتْ حياتَها ثَمَنًا لهذا الاعتراف ولهذا الإيمان.
           هذه الشّهادةُ هِيَ شهادةُ الدَّم. رُبَّما ليست مطلوبةً مِنّا نحنُ في هذه الأيّام. وربَّما تُطْلَبُ منّا ذاتَ يَوم. ولكنَّ المطلوبَ مِنّا اليومَ شهادةٌ مِن نوعٍ آخَر، هِيَ الّتي تُدعى بالشَّهادةِ البيضاء. قد تقولونَ: لم يَعُدْ في هذه الأيّامِ مِن وَثَنِيّة. مِن ناحيةٍ، قد يكونُ هذا الكلامُ صحيحًا. ولكنْ، مِن ناحيةٍ أُخرى، إذا فكّرتُم مَلِيًّا، تَجِدُونَ أنّ الوَثَنِيَّةَ باقِيَةٌ في حَياتِنا. لَدَينا آلِهَةٌ وَثَنِيَّةٌ جديدةٌ نَعبُدُها في هذه الأيّام، في كُلِّ أنحاءِ العالَم، وفي لُبنانَ على وجهِ الخُصوص: النّاسُ في هذه الأيّامِ يَعبُدُونَ المال. يَعبُدُونَ السُّلطةَ والمَجدَ الأرضيّ. يَعبُدُونَ الشَّهوة. يَعبُدُونَ وسائلَ التّرفيهِ وَسائرَ المُوبِقات.
           أولادُنا الّذين هُم في رَيعانِ الشَّباب، في أوساطِ الجامعاتِ، يتعرّضونَ للكثيرِ مِن التّجارب. يَسهَرُونَ سهراتٍ طويلةً ومشبوهة. يَسقطونَ في تعاطي المخدِّرات. ماذا يستفيدون مِن ذلك؟ يَفقُدونَ الوعيَ والتّركيز. وقد يُطِيحُونَ بِمُستَقبلِهِم كُلّه.
           علينا اليومَ أيّها الأحبّاء أن ننتبهَ كثيرًا لهذه الأصنامِ الجديدة، وأن نُقاوِمَها. علينا أن نكونَ شُهَداءَ بالشَّهادةِ البَيضاء؛ وذلك بِأَنْ نتيَقَّظَ ونَسهَرَ على حياتِنا الرُّوحِيّة، ولا نَدَعَ الحياةَ المادّيَّةَ تُسَيطرُ علينا وتَغزو عُقُولَنا. فإذا كانَ الأهلُ مُنغَمِسِينَ في حَياةِ اللهوِ والتَّرَفِ، وَتارِكِينَ حَياةَ الصّلاةِ والسَّهَرِ الرُّوحِيّ، فَماذا سَيَكُونُ مَصيرُ الأولاد؟ بالطّبع سوفَ يبتعدونَ عن جادّةِ الصّواب، ويكونُونَ عُرضَةً لِعِبادةِ أصنامِ هذا العالَم.
           الحياةُ مَعَ المسيحِ تَجعلُ الإنسانَ مُحَصَّنًا ضِدَّ الشُّرور. تجعلُهُ مُسالِمًا، يُحِبُّ كُلَّ الناس، وَلا يُثِيرُ المشاكلَ والخُصُومات. تَجعَلُهُ خَدُومًا، يُساعِدُ كُلَّ مَن هُوَ بِحاجة. لَدَيكَ الأموالُ الطائلة؟ لا بأس. ليست الأموالُ شَرًّا بِحَدِّ ذاتِها. ولكنْ، فَلْتَعلَمْ أنَّ أموالَكَ هذه لن تَجلِبَ لَكَ السَّعادة، فَكُنْ حكيمًا، واعرفْ كيفَ تستعملُها: أعطِ المُحتاجِين، قُمْ بِمَشاريعَ مُفِيدَةٍ للنّاس، للمجتمع... تَجَرَّدْ مِن كُلِّ تَسَلُّطٍ للمادَّةِ عليك، لِكَي تَكُونَ قَوِيًّا، وَتَغلبَ هذا العالَم الفاني.
    أتعرفونَ ما هي غايةُ الحياة يا أحبّة؟ ولماذا خلقَنا اللهُ في هذه الحياة؟ غايةُ الحياةِ هي أن نصيرَ قدّيسين. ولقد خَلَقَنا اللهُ في هذه الحياةِ لِكَي نُجاهِدَ ونَبحَثَ عن وَجهِهِ الحبيبِ مِن خلالِ حُطامِ هذه الدّنيا وضبابِها. لذلك، علينا أن نمتلكَ بصيرةً روحيّةً صالحة، لِكَي نفتّش عن الأُمورِ الإلهيّةِ ونتمسَّكَ بِها، وَلا نَدَعَ مَجالاً للدُّنيَوِيّاتِ أن تَصرِفَنا عَن هَمِّنا الحقيقيّ، عَن سَعيِنا للحياةِ الأبديّة.
    فَلْيُبارِكْكُم رَبُّنا يسوعُ المسيحِ بنعمتِهِ الإلهيّة، لِكَي تَكُونوا شُهَداءَ منتصِرِين. آمين
     
     


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies