عظات راعي الأبرشية بالكلمة والصوت

  • مناسبة مرور إثنتي عشرة سنة على رقاد الأرشمندريت المغبوط والدائم الذكر الأب المتوحّد اسحق عطالله - 2010-07-16 - Download

     

     
    مناسبة مرور إثنتي عشرة سنة على رقاد الأرشمندريت المغبوط والدائم الذكر الأب المتوحّد اسحق عطالله
    كنيسة القديس جاورجيوس - حماطورة 
    16/7/2010
     
    كونوا شجعانًا
     
    باسم الآب والإبن والروح القدس، آمين.
     
    أيُّها الأحبَّاء، نحن جئنا في هذا اليوم لكي نقيم هذه الصلاة والذكرى الحيَّة للمتوحِّد إسحق إذ لهُ اليوم اثنتي عشرة سنة على رقاده. عاش فترة في هذا الدير ونسك فيه وبعدها لظروفٍ تاريخيَّة تركهُ ليذهب ويتنسَّك في الجبل المقدّس.
     
    هذه الذكرى هي مناسبةٌ لنا لكي نتذكّر ونتعرّف على كلّ هؤلاء الرهبان والنسَّاك الَّذين عاشوا ونسكوا وكرّسوا أنفسهم للرَّبِّ، لكي نعرف نحنُ المؤمنين ماهيَّة الرهبنة ولماذا وُجِدَت وسمح الله أن تكون في هذا العالم! الرهبنةُ انطلقت بقوّة منذ القرن الرابع وذلك، كما تعلمون، بعد انتهاء الإضطهادات للمسيحيين الأول وانتصار القدّيس قسطنطين الكبير، وتأسيسه للإمبراطوريّة البيزنطيّة.
     
    في هذه المرحلة من التاريخ أصبح كثيرون من الناس مسيحيين على إيمان رئيسهم! وهذا معروف. أدَّى هذا الأمر إلى أن العيش المسيحي أصبح أكثر فتورًا. لذلك، أراد بعضُ الناس المسيحيّون الغيارى أن يُحافظوا بدقَّةٍ على الحياة الإنجيليَّة متشبِّهين بالرَّبِّ يسوع المسيح وبوصاياه الإنجيليَّة. وهكذا أخذ البعض يتركون المدن والعالم لكي يبحثوا عن الهدوء! هذا الهدوء لا بدَّ منهُ للمبتدئين لأنَّ المحيط يؤثِّر على الإنسان بسبب ضعفه. ولكنَّهم ذهبوا أكثر من ذلك في تشبُّهِهِم بالرَّبِّ يسوع وبتعاليمهِ لأنَّهم قصدوا ليس فقط الهدوء الخارجيّ ولكن، أيضًا، الهدوء الداخليّ أي أن يهدِّئوا أعصابهم وكلَّ شهواتهم وأهوائهم فيحصلون على هذا السَّلام الداخليّ الذي يساعدهم لإقتبال النعمة، نعمة الله. ويستطيعون بذلك أن يتكرَّسوا للرَّبِّ، لمحبَّة الرَّبِّ.
     
    الإنسان لا يستطيعُ أن يحبَّ الله ويحبَّ الآخرين إذا فقط أحبَّ نفسَهُ! لذلك، قال الرَّبُّ يسوع "من أراد أن يتبعني فلينكر نفسهُ ويحمل صليبه ويتبعني". هذه الطريقة النسكيَّة سلكها الكثيرون منذ القرن الرابع، وخصوصًا في بلادنا، لأنَّها نشأت في مصر وسوريا وامتدَّت إلى العراق وما بين النهرين وإلى إيران، إلى البلاد الشرقيَّة القصوى ومن ثمَّ إلى آسيا الصُغرى، تركيَّا واليونان.
     
    هذه الطريقة النسكية بماذا تُفيد العالم؟
     
    الإنسان الراهبُ يطهِّرُ نفسَهُ ولكن، أيضًا، يُطهِّر محيطَهُ! لأنَّ نعمة الله عندما "تستوي" في الإنسان، عندما تملئ القلب تفيض إلى الآخرين. ناسكٌ واحدٌ قدِّيسٌ يحوِّل محيطاً ويبني عالماً كبيراً حولهُ! هذا ما نحتاجه اليوم وفي كل آنٍ حتى لا يسقط هذا العالم في الخطيئة كلِّيًّا ويعبد الأصنام! أي يعبد أهواءَهُ وكلّ ما في هذه الدنيا من مادِّيَّات وخصوصًا من فساد!  وحتّى يعبد الإله الحيّ الذي ذكره إنجيل اليوم عندما تكلَّم عن إيليا النبي وعن يوحنا المعمدان! وهكذا الإنسان يتقدّس!
     
    هذه الطريق هي التي سلكها أبونا اسحق! ويعرِفُ ذلك شهودٌ، إخوته الموجودين هنا! منذ صغره، كان يشتاقُ إلى الهدوء، يهرب من بيتهِ إلى البرِّيَّة لكي يتوحّد مع الله ويمتلئ من روحهِ القدّوس! هذه الطريق سلكها وتربّى عليها وشاء الله أن ينقلهُ إلى دير البلمند، ومن ثمَّ إلى هذا الدير، سيّدة حماطورة، وبعدها إلى الجبل المقدَّس حيثُ أنهى حياتهُ بسلامٍ وبتوبةٍ.
     
    الأب إسحق كان قاسياً على نفسهِ أوَّلاً، لأنَّه كان يصرُّ وينتبهُ جيِّداً ليكون مع الرَّبِّ ويتبع وصاياه! وقد ربّى تلاميذَهُ على هذه الطريق! كما ربَّى الكثيرين، وله ذكرٌ عميقٌ طيّبٌ في الجبل المقدس. كان إنساناً شجاعاً جريئاً يقول الحقّ ولا يخاف.
     
    هذا الطريق يتطلَّب جرأة. ولا تأتي هذه الجرأة إلاّ من الله! لأنَّ الإنسان ضعيف، يخاف! ولكنَّه هو لم يخف! لأنَّه كان إنسانًا مجاهدًا أوّلاً على نفسهِ، فأعطاهُ الرَّبُّ هذه القوّة. لذلك، يبقى ذكره عميقًا في كلِّ مَنْ عَرَفَهُ! الأب إسحق كان يشهدُ أنَّ الله وحدُهُ لا يُستَغْنَى عنهُ. هذه الدنيا وما فيها من مادِّيَّات وأكل وشرب كلّها يُستغنى عنها! أمَّا الله فهو وحدهُ الذي يكفينا. هذه كانت شهادة الأب اسحق، لم يكن متعلِّقاً بهذه الدنيا، كان يُشيرُ إلى الكلِّ أنَّ هذه الدنيا لا تكفي وأنَّ هناك حياةً أبديَّةً مع الرَّبِّ يسوع تنتظرنا جميعاً، آمين
     

     



Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies