عظات راعي الأبرشية بالكلمة والصوت

  • تخريج دفعة من طلاب - 2010-07-09 - Download

     

     
    تخريج دفعة من طلاب
    مدرسة مار الياس ومعهدها التقني الفنّي العالي
    الميناء
    9/7/2010
     
     
    إلى مدير وأساتذة وطلاَّب مدرسة مار الياس، الثانويَّة الوطنيَّة الأرثوذكسيَّة، والمعهد التقني الفنّي العالي.
     
    أيّتها الأخوات والإخوة الحاضرين الكرام جميعًا.
     
    يشرِّفني أن أحضُرَ حفلَ نهاية العام الدراسي وتوزيع الشهادات على المتخرِّجين من طلاب الإجازة الفنيَّة والبكالوريا بفروعها الأكاديميّة والفنيَّة للعام الدراسي 2009 – 2010.
     
    التخرُّج نهاية مرحلة من الحياة وبداية مرحلة جديدة. مرحلة مضت نعرفها، نتذكَّرها، فيها الحلو والمرّ. أمَّا الآن فلا نعرف ماذا ينتظرنا! نحن في فرح وفي حيرة في آنٍ واحد: الفرح لأنَّنا أنهينا المرحلة الثانويَّة ورمينا القبَّعة جانبًا (أو عاليًا)، تحرَّرنا من صوت النظَّار، أصبحنا جامعيين، أصبحنا كبارًا ولم نعد صغارًا.
     
    ماذا بعد؟! هل يقبلوننا في الجامعة، وأيَّة جامعة؟ ما هو الإختصاص أو الفرع المناسِب؟ ومن أين المال لنسدِّد الأقساط الباهِظة في الجامعات الخاصَّة؟
     
    لنا، اليوم، أن نصبر، أن ننتظر النتائج الرسميَّة، أن نرتاح من تعبنا الطويل، أن لا نفكِّر كثيرًا. الله كريم؟!
     
    طبعًا، سوف نستشير أساتذتَنا لنختار الفرعَ المناسِب، لنرى ما هي المهنة التي تدرُّ مالاً أكثر أو التي لها مجالات عمل (débouchés) أوسع.
     
    أسئلة كثيرة، فلا تُشْغِل رأسَك كثيرًا الآن! عِشْ اللحظة الحاضِرة، إفرَحْ مع رفاقَك! لقد عشتَ معهم كعائلة واحدة سنين طوال مع ذكريات وذكريات! تُرى ما هو سرُّ هذه الحياة العابِرَة؟! ربِّي أنرني! يا آبائي وأساتذتي أرشدوني. أشكركم على كلِّ حال، على كلِّ شيءٍ وبالرغم من كلِّ شيء. شكرًا لله ولكم جميعًا.
     
    *       *       *       *       *
    بعد كلِّ هذا لا بُدَّ لي أنا المتكلِّم الآن أن أوجِّه كلمة للطلاب المتخرِّجين. أقول لهم: أنتم داخلون إلى مجتمع أوسَع، إلى عالمٍ آخَر. صحيح أنَّكم سوف تنعمون بحريَّة أكبر وباستقلاليَّة أوفر. هذا له إيجابيَّته وله سلبيَّته. تمسَّكوا بالواحِدة واحذروا الأخرى.
     
    الإيجابيَّة تكمُن في الحرِّيَّة المُتاحَة لكلِّ واحِدٍ ليتدرَّبَ على المبادَرَة الشخصيَّة، للإتِّكال على النَّفسِ أكثَر، لتوسيع المعارِف والتَّعرُّفِ إلى فئاتٍ متَنَوِّعَة من الناس.
     
    أمَّا السلبيَّة فهي في التجارِب العالميَّة المُختَلِفَة. فلنحاول تعداد بعضِها.
     
    العالم في غالبيَّتِه، اليوم، مُشتَّتٌ ومُشََتِّتٌ، كأنَّه أضاعَ البوصَلَة، أو كأنَّه لا يُدرِكُ هدف مسيرَتِهِ (désorienté). ينظُرُ الإنسانُ، عادةً، إلى الفائِدَة المادِّيَّة القريبة وإلى أسهل الطرق من أجل الوصول إليها. يسعى إلى المال لكي يُشبِعَ أهواءَه ولذَّاتِه. وفي أحسن الأحوال، يركض وراء العلوم والتقنيَّات الحديثة لإرواءِ حُشْـرِيَّـتِهِ أو الحصول على مركزٍ مرموق في المجتمع.
     
    الأصعب من ذلك هو أنَّ العالَم في غالبيَّتِه اليوم كاذِبٌ، والإنسانُ يركِّزُ على المظاهِر، على الإعلام، على الموضة، يعيش انقِسامًا في شخصيَّتِه فيظهَرُ بمظهَرٍ ويُضمِرُ آخَر، يقول شيئًا ويفعلُ شيئًا آخَر.
    أرجوكم، أيُّها الشباب الأقوياء، لا تستخِفُّوا بفتوَّتِكم. تجنَّبوا الكَذِب. جاهِدوا لكي تكونوا صادِقين في حياتِكم منسَجِمين مع أنفُسِكُم، غيرَ خاضِعيِن لأقوالِ الناس (في النهاية لا يَصُحُّ إلاَّ الصحيح)، ودعاية التلفزيون والإعلانات والجرائِد. مرجعُكم إيمانُكم ومرشِدِيكُم. أن يكون الإنسان صادِقًا هذا هو التَّحَدِّي الكبير!
     
    إن أرادَ أحدٌ أن يكون مستقيمًا ناجِحًا مثمِرًا ومفيدًا لمجتمعِه تسَلَّحَ بالعلم والإيمان معًا.
     
    "ماذا ينفع الإنسان إن ربحَ العالم كلّه وخسِر نفسَه؟!" فتِّشوا عن "الحقّ والحقّ يحرِّرُكم"، وإن وجدتموه فناضِلوا في سبيل عيشِه حتَّى ولو كلَّفَكم العذاب والإضطهاد، وحتَّى خسارَة وظيفتِكم او عملِكُم. كونوا شُجعانًا، لا تخافوا من التجارب، فالله سوف يؤآزركم إن كانت نيَّتُكم صالِحَة. لا تعتقدوا أنّ الغِشَّ أو "الزَّعْبَرَة" هي التي تنجَحُ في النهاية. لا تقولوا "إن لم تكن ذئبًا أكلتكَ الذئاب". هذا ما أودى بنا إلى الحرب والخراب. بل كونوا صادِقين، مجتهِدين وغير متكاسلين.
     
    نحن نؤمن أنَّنا مبدعون مع الله الذي يأتي بكم إلى ما لا تعلمون. كلٌّ منَّا مُبْدِعٌ شيئًا جديدًا لبنيان نفسِه والآخَرين والمجتمع. كلٌّ منَّا يتمتَّع بموهبة من الله تجعله يعمل للبنيان، بنيان نفسه والآخَرين. لا تنسَوا أنَّ الإنسانَ قيمتُه في شخصيَّتِه، في فضائلِه وليس في مظهرِه فقط وفي مالِه.
     
    لقد قلتُ لكم الكثير وأنتم يمكن أن تضيفوا الكثير.
     
    ليسدِّد اللهُ خُطاكُم. الحياةُ أمامكم مع الفرح والرَّجاء. لا تيأسوا أبدًا من الدهر الآتي. وحدها المحبَّة هي لبُّ الحياة، فيها كلّ شيءٍ، والسَّلام
     

     



Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies