عظات راعي الأبرشية بالكلمة والصوت

  • الأحد الثالث من الصوم - 2010-03-07 - Download

     

     
    الأحد الثالث من الصوم
    طرابلس
    7/3/2010
     
    باسم الآب والإبن والروح القدس، آمين.
     
    أيُّها الأحبَّاء، تحتفِلُ الكنيسةُ المقدَّسَةُ اليومَ بأحدِ الصليب المقدَّس المحيي. وقد وضعت الكنيسةُ هذا العيد في وسط الصوم، لأنَّ الصليب الكريم، وهو الصليب المصلوب المسيح عليه!، هو مزروعٌ في وسط الكون منذ القدم. والصليب الكريمُ قائمٌ في وسط قلب الإنسان وفي وسطِ حياةِ كلِّ إنسانٍ سواءً أكان يؤمِنُ بالمصلوب أم لا يؤمن به. هذا سرٌّ عظيم، سرُّ الصليب، إنَّ سرُّ الحياة كلِّها. بالنسبة لنا نحن المسيحيين، إنَّ هذا السرّ هو سرّ المسيح يسوع الذي صُلِبَ من أجل خلاصِنا، إنَّه سِرُّ محبَّةِ الله اللامحدودة التي كُشِفَتْ بشكلٍ فائقٍ على الصليب.
    إنجيلُ اليوم يحاولُ أن يفسّر، ضمن إمكانيّات التعابير البشريَّة، المعنى العميق للصليب. المقطع الإنجيلي مركَّزٌ على المسيح والإيمان بالمسيح. لذلك، يقول الربُّ: "من أراد أن يتبعني فلينكر نفسهُ ويحمل صليبه ويتبعني". هذه الآية تلخِّصُ كلَّ الحياة المسيحيَّة. "من أراد أن يتبعني" له الحرِّيَّةُ أن يختار ذلك. إنَّه لا يفرضُ علينا هذه الطريق، لذلك، لنا الحرِّيَّة بأن نسير في هذه الطريق أو أن لا نسير فيها. من هنا، نفهم أنَّ الله أعطانا، عندما خَلَقَنَا، الحرِّيَّة أن نتبعه أو أن لا  نتبعهُ. لكن، إذا أردنا أن نكون مسيحييِّن وأن نتبعَهُ جِدِّيًا، فهو يقول لنا: "عليكم أن تفعلوا مثلي! أن تتشبهوا بي أنا الذي صرتُ إنسانًا من أجلكم. من أراد أن يتبعني فلينكر نفسهُ ويحمل صليبه ويتبعني!"
    ماذا يعني أنه علينا بأن ننكر أنفسنا؟ هل باستطاعة الإنسان أن ينكرَ نفسَهُ؟ لماذا يطلب منَّا هذا الأمر؟ لأنَّ في هذا سرٌّ، إنَّه سرُّ الصليب! مَنْ لا يستطيعُ أن ينكِرَ نفسَهُ، أي من لا يستطيع أن لا يتمسَّك بنفسِه، وأن لا يحسَبَ نفسَهُ أنَّه هو محور الوجود!، وأن يضحِّي في حياته وأن يتشبَّه بالمسيح خالقهِ!، يبقى بعيدًا عن فهم سرّ الصليب.
    مَنْ مِنَ البشر يستطيعُ أن يفعل شيئًا حسنًا في هذه الدنيا إذا تعلَّق فقط بنفسه، بمصلحته، بحقوقه! علينا أن نتدرَّب نحن المسيحيين على هذا الأمر، ولو كان هذا صعبٌ علينا. أن نتدرَّب كيف نتخلَّى، من وقت لآخر عن حقوقنا!، هكذا كان يفعل المسيحيّون الأُوَل، كانوا يقولون نحن ليس لنا حقوق! لنا فقط واجبات! هذا شيءٌ صعبٌ ولكن فيه سرُّ محبَّة الله وسرُّ محبَّة الآخَرين.
    من هنا تدعونا الكنيسة المقدَّسة في هذا الصوم المبارَك أن نتعلَّم كيف بالصلاة والصوم يستطيعُ الإنسان أن يَخْرُجَ ولو قليلاً من نفسِهِ وينظر إلى الآخَر وإلى كلِّ من يحتاج إليه.
    إنجيلُ اليوم يختم بهذه الجملة قائلاً: "إنَّ قومًا من الموجودين ههنا لا يذوقون الموت حتى يرَوا ملكوت الله يأتي بقوَّةٍ". الرَّبُّ يسوع أتى، تألمَّ وقامَ من بين الأموات ليعطيَنا الملكوت، هذا الفرح السماوي الذي ينتظرنا. ولنا إذا كنَّا نعيشُ معهُ، اليوم، ونُطَبِّقُ وصيَّتَه ونتبعُها، لنا أن نتذوَّقَ هذا الفرح منذ الآن وإن كنَّا صائمين. لذلك، في الكنيسة، نحن نقول لقد أتى الفرح بالصليب، بالصليب قد أتى الفرح لكلّ العالم، آمين
     

     



Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies