عظات راعي الأبرشية بالكلمة والصوت

  • المديح الثالث - 2010-03-05 - Download

     

     
    المديح الثالث
    رعية مار جرجس - أميون غربي
    5/3/2010
     
     
    نحن في وسط هذا الصوم الكبير، دائمًا نذكر العذراء مريم. ولا بدّ أن نسأل أنفسنا لماذا وضعت الكنيسة ذكر العذراء في وسط هذه الفترة الصياميَّة؟
     
    طبعًا، هناك إجابات كثيرة، لكنَّ الكنيسة شعرت، إبتداءً من حياة المسيح على الأرض، ودائمًا من خبرة القديسين، أنَّ حياتَها كانت مرافَقَة بالعذراء. العذراء كانت ترافِق دائمًا كلَّ إنسان يجاهِد حتَّى يتقرَّب من الله. لماذا العذراء ترافقنا؟ لماذا هي تساعدنا؟ لأنَّها كانت أقرب إنسان من الرَّبّ. لذلك، نقول: "أيَّتُها الفائِقُ قُدْسُهَا والدةُ الإلهِ خلِّصينا." طبعًا، "خلِّصينا بشفاعاتك"، لأنَّ المسيح هو المخلِّص الوحيد، وهذا من عقيدتنا. لكن، هي أقرب إنسان من ربِّنا، لماذا؟ لأنَّها حَمَلَتْ يسوع المسيح في أحشائِها.
     
    نحاول أن نقترب أكثر، حتى نفهم أكثر. لنقترب أكثر من العذراء حتى نذكرَها دائمًا في حياتنا.
     
    الكنيسة، أولاً، أصرَّت منذ القرون الأولى، في المجامع المسكونيَّة، وأقرَّت أن تسمّى مريم بـ"والدة الإله" (Theotokos). تنظرون، دائمًا، في كنائسنا أيقونة العذراء مع الرَّبّ يسوع، إلاّ في بعض الأيقونات النادرة التي تدعى أيقونات الشفاعة، تكون العذراء فيها مرسومة لوحدها، هي ويسوع ويوحنَّا الحبيب أو هي ويسوع ويوحنَّا المعمدان. لكن، عادة، تُرسم العذراء مع الرَّبّ يسوع لأنَّها تستمدُّ حياتَها من الرَّبّ يسوع.
     
    لماذا أصرَّت الكنيسة أن تسمِّي العذراء "والدة الإله"؟ الجواب سهل إذا فكَّرْنَا قليلاً. هذا من صُلْبِ إيمانِنا المسيحيّ، وهذا ما يفرّقنا عن غيرنا. علينا أن نعرف إيمانَنا وعلى أيَّة حقيقة هو مبنيّ. لماذا مريم هي "والدة الإله" وليست "والدة المسيح" أو "والدة يسوع"؟
     
    المسيح والإله واحد. نحن نؤمن أنَّ المسيح هو إلهنا. ليس هو إنسانًا فقط، إنَّه إنسان كاملٌ وإله كاملٌ. هذه عقيدتنا. إذا كان إنسانًا فقط، كيف يقدر أن يخلِّصَنا؟ الإنسان لا يقدر أن يخلِّص الإنسان.
     
    إذًا، أرادت الكنيسة أن تسمِّي العذراء "والدة الإله" لتذكِّرَنا بسرِّ التجسُّد، أنَّ الله تجسَّدَ وأخذَ صورةَ إنسانٍ وهو المسيح الإله.
     
    ثانياً، الكنيسة تؤمن أنَّ العذراء بتول، وهي حبلت بالمسيح بالروح القدس وليس بطريقة بشريَّة. ولمَّا حبلتِ العذراء بقيَ الجنين في بطنها تسعة أشهر، مثل أيَّة أمرأة أخرى. حتَّى أنَّ الرَّبّ يسوع أراد أن يعيش مثلنا، حتى يعلِّمَنا كيف نتصرَّف نحن. وتعرفون من الإنجيل كيف عاش يسوع بتواضع، وتألمَّ ووطئ الموت بموته، وقام من بين الأموات.
     
    إذًا، البتول بقيت بتولاً قبل الولادة، وفي الولادة، وبعد الولادة. لأجل ذلك يصوِّرونها في الإيقونات مع نجمة على رأسها، ونجمة على الكتف اليمين، وأخرى على الكتف الشمال.
    أنا أحبُّ أن أقول لكم شيئاً آخرَ يفسِّر إلى حدٍّ بعيد تعلُّقَنا بالعذراء. نحن نؤمن أنَّها والدة الإله ونؤمن أنَّها العروس التي لا عروس لها. هي أمُّنا جميعًا.
     
    ماذا تعلِّمنا الكنيسة؟ الكنيسة تعلّمنا أن الرَّبّ يسوع هو الأقنوم الثاني المولود من الآب قبل كلِّ الدهور بدون أم منذ الأزل. وكإنسان لمَّا نزل على الأرض ولد من أمٍّ بدون أبٍ. لنفتكر قليلاً في هذا الكلام. إنَّه تعليم مهمٌّ جدًّا. الإبن ولد من الآب قبل كلِّ الدهور لأنَّه إله أزليّ. وولِد من أمٍّ بدون أبٍ. لنسأل لماذا؟ ألم يقدر أن يولد من دون أمٍّ لأنَّه إله؟
     
    كان يقدر أن يستعمل أيَّة وسيلة. كان يقدر أن يخلِّصَنا حتَّى من دون أن يتجسَّد. لكن، هو أراد أن يقترِب إلينا قدر الإمكان ويعلِّمَنا حياة الطاعة والتواضع. لكن، يوجد شيء خاصّ بالعذراء مريم. العذراء لها صفات كثيرة. ما هي هذه الصفات التي يمكن لنا أن نتشبَّه بها؟ العذراء كانت مطيعةً ومتواضعة. لكن، لماذا اختار الله هذه المرأة الطاهرة، البتول، التي تربَّتْ في الهيكل حتى تكون قابِلَةً للروح القدس؟
     
    حسب رأي بعض الآباء القدِّيسين، وكأن الرَّبّ حتى يتجسَّد ويخلِّصَنا، كان بحاجةٍ لشخص عنده هذا الحنان، هذا العطف، الذي، أيضًا، يأتي من نعمة الروح القدس. العذراء تعلِّمنا ألاّ يكون قلب الإنسان قاسيًا. يوجد أيقونة للعذراء تُدْعَى العذراء الحنونة، وكأن الرَّبّ أراد أن يتجسَّد بنعمة الروح القدس من كائن حنون. هذا يعلِّمُنَا، كيف نحوي ربَّنا وننقله للآخرين، يعلّمنا أن يكون عندنا حنان، أن لا نكون "قساة الرقاب" حسب الكتاب المقدس، أن لا نكون قاسين متصلبي القلب.
     
    ربُّنا كان يَحُنُّ على الفقراء، الخطاة، الزناة. عالمنا اليوم قاسٍ. يجب أن لا يكون قلبنا قاسيًا، بل حنونًا مثل العذراء، حتى يقدر الرَّبّ يسوع المسيح أن يسكن هذا القلب وننقله للآخرين، آمين
     

     



Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies