عظات راعي الأبرشية بالكلمة والصوت

  • أحد غريغوريوس بالاماس - 2010-02-28 - Download

     

     
    أحد غريغوريوس بالاماس
    دير مار ميخائيل- بسكنتا 
    28/2/2010
     
     
    باسم الآب والإبن والروح القدس آمين.
     
    لا بدّ، في هذه الفترة الصيامية المباركة، فترة الصوم الأربعيني المقدّس، أن يتأمّل كلّ منّا، أوَّلاً، في كلمات الله، وثانيًا، في الإنسان نفسه، في حياته، أن يعود إلى نفسه، وينظر ما هي حالته، ويسأل ذاته كيف يجب أن يعيش؟ ما هو هدف وجوده؟ ما معنى الحياة؟
    نحن كمسيحيين مؤمنين، لا بدّ لنا أن نعود إلى أنفسنا، كما حدث مع الإبن الشاطر إذ يقول الإنجيل: "وعاد إلى نفسه وتذكر النعمة التي كانت له عند أبيه". لأجل هذا تُدعى هذه الفترة فترة توبة. يجب أن يعرف الإنسان ما معنى التوبة!
    كيف يتوب الإنسان! هذا ما نتعلّمه طوال حياتنا. على التائب، أوَّلاً، أن يعود إلى نفسه وبعدها يعود إلى الله.
    سوف أذكر جملة من عند القديس يوحنا الدمشقي، ربما سمعتموها قبلاً. يقول القديس: "التوبة هي العودة من الشيطان إلى الله، من طبيعتنا الساقطة بسبب الشيطان إلى طبيعتنا الناهضة، السماوية بسبب المسيح" ويضيف أيضًا: "هذه التوبة، هذا التحوّل لا يتمُّ إلاّ بالجهاد والألم".
    أصعب شيء في الحياة هو أن يتغيّر الإنسان. الإنسان يكون عنده طبع أو عادة سيئة. حتى يخلص من هذه العادة، الأمر لا يتمُّ بسهولة. ليس فقط إذا صلّى واشتغل ودرس، وأخذ شهادات، يصير الإنسان إنسانًا طيِّبًا! الأمر يحتاج إلى تعب. بدون تعب لا يتغيّر الإنسان. لماذا؟!
    تدرِّبنا الكنيسة حتى نتغيَّر، خصوصًا في الصوم، وتعبر بنا عبر مراحل. الآن، لا نستطيع أن نفسّر كلّ أيام الصوم، هذا شيء حبَّذا لو كلّ واحد منّا يدرسه. سأتكلّم اليوم عن الأحد القادم الذي هو أحد الصليب.
    أحد الصليب وَضَعَتْهُ الكنيسة في وسط الصوم، وهذا عن حكمة، حتى تهيِّئَنا لأسبوع الآلام والفصح. في كلِّ قدَّاس نقول: "بالصليب قد أتى الفرح لكلّ العالم". هذا سرّ الحياة، سرُّ المسيح.
    كيف بالصليب قد أتى الفرح لكلّ العالم؟ هذا تناقض! بالصليب أي بالعذاب، بالتضحية، كيف يأتي الفرح؟! هذا هو كلُّ سرِّ إيماننا، سرُّ المسيح، سرُّ محبَّةِ الله الفائقة، التي بدون حدود. طبعًا، نحن نذوق شيئاً من هذا السرّ في هذا العالم. المسيح جاء وقَبِلَ الصلب وقام من بين الأموات حتى يعلِّمَنا كيف نعيش.
    سوف تسمعون يوم الأحد القادم المقطع الإنجيلي الذي فيه جملة تلخِّصُ كلّ شيء تقريبًا، كلّ سرّ الصليب، كلّ سرّ محبة الله لنا، وتعلّمنا أشياء كثيرة، تقول هذه الآية: "من أراد أن يتبعني، فلينكر نفسه، وليحمل صليبه ويتبعني". 
    ما هي مشكلة الإنسان؟ منذ زمن السقوط حتى الآن، ما هو سبب كلّ هذه المشاكل، الخلافات بيننا، الخلافات في العالم، الخلافات في بلدنا، الحروب، وحتى الزلازل التي تحدث هي تأتي بسبب خطيئة الإنسان إذ لمَّا سقطت طبيعة الإنسان انعكس هذا السقوط على الخليقة كلّها والكون، لأنَّها كلّها خليقة الله. كانت خليقة الله حسنة، كما يعلّمنا الكتاب المقدس، ولكن اختلَّ نظام الكون لمَّا سقط الإنسان الميكروكوزموس، صورة الخليقة كلّها ورأسها.
    المسيح يعلِّمنا، إذًا، أنَّ الطريق حتَّى يعود الإنسان إلى السلام، إلى المحبة، إلى كلّ فضيلة سامية، لا بدّ أن يمرّ بالصليب. ويقول لنا: "من أراد أن يتبعني، فلينكر، وليحمل صليبه ويتبعني".
    أعود للقدِّيس يوحنَّا الدمشقي الذي يقول: "حتَّى يقدر الإنسان أن يتوب، أن يتغيَّر، وأن يكتسب الفضائل الكبرى، المحبَّة والتواضع، لا بدّ له أن ينكر نفسه". الإنسان المتعلِّق بنفسه ومصلحته وبكلّ ما يخصّه، يبقى إنسانًا مُغْلَقًا، يبقى أنانيًّا، لا يحبُّ إلاّ نفسه.
    لذلك رتّبت الكنيسة هذه الفترة حتى نجاهد. هذا هو معنى الجهاد في الصلاة حتى نأخذ قوَّة الله. في الأصوام نكون على طريق الإستعداد أن نخرج من جسدنا وكلّ أهوائنا، من أنفسنا، كما يقول العلماء النفسانيين، أي أن لا نعود نرى عالماً داخل أنفسنا، أن نخرج من ذواتنا، أن نشعر مع الإنسان الآخَر، وخصوصًا مع المحتاجين.
           في الصوم نفكِّر بغيرنا، لذلك، تدعونا الكنيسة كي نصنع أعمال الرحمة، خصوصًا في هذه الفترة، وعندها يُنزل الله علينا نعمتَهُ، ويعطينا الفرح الحقيقيّ، وليس الفرح الإصطناعي، و هكذا نعيِّد بفرح في يوم القيامة، آمين
     

     



Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies