عظات راعي الأبرشية بالكلمة والصوت

  • الزواج - 2010-02-25 - Download

     

     
    الزواج
    بيروت
    25/2/2010
    حديث اعطيَ في كنيسة مار نقولا في بيروت
     
    التاريخ البشري يبدأ بالزواج
     
    قال الربّ: "ليس جيّداً أن يكون الإنسانُ وحده على الأرض فلنصنعنّ له معينًا على شبهه". "وبرأ الربّ الإله الضلعَ التي أخذها من آدم إمرأةً التي لما نظرها آدم قال: هذه الآن عظمٌ من عظامي ولحمٌ من لحمي. هذه تُسمى امرأةً لأنها من رجلها أُخذت ولهذا يترك الإنسانُ أباه وأمّه ويلازم إمرأتَه فيصيران كلاهما جسداً واحداً ومن جمعهم الله لا يفرّقهم إنسان" (تكوين 2: 22-24؛ متى 19: 4-6 راجع أيضًا (أفسس 5: 30 - 31).
     
    (والتاريخ ينتهي بالزواج)
    "لنفرح ونتهلّلْ ونعطه المجدَ لأن عرسَ الحمل قد جاء وإمرأته هيّأت نفسها.. وقال لي أكتب طوبى للمدعوّيين إلى عشاء عرس الحمل" (رؤيا 19: 7 و9).
     
     ما معنى يصيران "جسداً واحداً؟" أي كياناًً واحداً؟
     
    الزواج سرّ مقدّس والسرّ (ميستيريون باليونانية) هو المسارّ إلى نعمة الله (ميّومي باليونانية). انّه مدرسة للحب بمؤازرة النعمة الخلاصيّة الفائضة في جنب المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات. إذاً، الـ"جسد الواحد" هو جسد المسيح. من هنا الإرتباط الوثيق بين سرّ الزواج وسرّ الإفخارستيّة (لذا غير منصوح أن تقام خدمة الإكليل السبت مساءً). الإكليل يرمز إلى الشهادة مارتير بالإنكليزيّة (مارتيس باليونانية)، ويرمز إلى أنّ كلّ واحد عليه أن يموتَ من أجل الآخر. وهكذا يصبح الواحد عروساً للآخَر بالحبّ. - يصيران واحداً في محبّة متبادلة "كل ما هو لي هو لك وكلّ ما هو لك هو لي" (يوحنا 17: 1)
     
    هناك مساواة بين الرجل والمرأة وفي الوقت نفسه هناك ترتيب ونظام. المرأة تطيع زوجَها (الطاعة). والطاعة تكون لمن يطيع الله. والرجل يحبّ امرأته (المحبّة). والطاعة واجبة للرجل إذا أحبّ: "يجب على الرجال أن يحبّوا نساءهم كأجسادهم من يحبّ إمرأته يحبّ نفسَه (...) كما الربّ أيضًا للكنيسة" (5: 28 و29). الرجل هو أيقونة المسيح. المرأة هي أيقونة الكنيسة.  
     
    هل تبقى هذه الوحدة بعد الموت؟ عند الذهبي الفم هذه الوحدة تبقى في الملكوت هناك نشوة في اللقاء الأوّل، رغبةٌ جنسيّة، وأيضًا، ميلٌ عاطفيّ وارتياحُ الواحد للآخَر. وسرعان ما تذبل هذه النشوة الجسديّة فماذا يبقى؟ ما هو العنصر في الزواج الذي لا يفنى؟ لا يذوي؟ حسب الكتاب هو إكليل المجد (1 بطر 5: 4).
     
    "أيها الربّ إلهنا بالمجد والكرامة كلّلهما". اللذّة البشريّة تتحوّل إلى لذّة روحيّة. الحبّ البشري العابر يتحوّل إلى حبّ إلهي دائم. النضارة الجسديّة تتحوّل إلى نضارة روحيّة.
     
     الزيّاح ثلاث مرّات يرمز إلى ديمومةً الحبّ، ديمومة حياة العروسين. لذا نرتّل "رقصة داود" يا إشعياء أطرب متهلّلاً لأن البتول قد حملت في أحشائها وولدت ابنًا هو عمانوئيل..." (راجع رقصة داود 2 صموئيل 6: 14). الإكليل، إذاً، هو فرح بالمجد، هو سرّ محبّة المسيح الذي أصبح عريساً للكنيسة، تزوجّنا روحيًّا بحبّه اللامتناهي. نرجو أن لا نجعل الإكليل مجرّد حفلة عالميّة فيه الغناء والتصوير والتزيين والسكر.
     
    في الأصل كان الإكليل يُقام في وسط القداس ويحضره المؤمنون جميعاً ولا يتبعه سوى استقبال بسيط. هناك هدرٌ كبير لا بل أقول فحشٌ كثير في الإكاليل، لماذا كلّ هذا؟.
     
    * * * *
    الآن أنتقل إلى الوضع الحالي بعد أن عرضت مفهوم الزواج المسيحي كسرّ مقدّس. ما هو الوضع الراهن؟
    في البلاد الغربيّة حيث تطغى العلمانيّة أو الدهريّة (سيكولاريسم بالفرنسية) لم يعد يوجد، غالباً، حدود أو قيود في العلاقات الجنسيّة بين الشاب والفتاة. سمّوه تحرّراً (ليبيراليسم بالفرنسية) أو فلتاناً.
     على كلّ حال، هناك حرّية تامّة في العلاقات بين الشباب والبنات. نادراً ما نجد زواجاً مسيحياً يخضع لقواعد سرّ الزواج المقدس. هناك طبعاً الزواج المدني، وهناك ما يُعرف بالمساكنة الشائعة التي تعترف بها الدولة. وهناك، طبعاً، وضع المسلمين الذين يسمحون بتعدّاد الزوجات وبالطلاق.
    ما هو موقفنا من هذه الأوضاع التي تتسرّب أكثر وأكثر إلى مجتمعنا في لبنان في الشرق وفي العالم؟! نشكر الله اننا إلى حدّ مقبول، ما زلنا بعدُ متمسكون ولو شكليًّا بالكنيسة وبالعائلة.
     ما اريد أن أقوله في هذا الصدد انّه علينا ألاّ نُدين الجيل الجديد الذي هو واقع تحت تأثير النمط الغربي، كما ولا نستطيع أن نتخلّى عن تراثنا المسيحي. فماذا نعمل؟!
    أرى من الواجب أن يتجنّد أناس من الكنيسة ليشهدوا برفق وايمان عن العائلة المسيحية. ويتخلّوا بصلابة عن كلّ هذه المظاهر التافهة في عقد الأكاليل من زينة وألبسة عارية وزفّة وحفلات راقصة ليُعطوا مثالاً حيًّا صادقاً. وقد رأيت شباباً واعيًا يتزوجون رافضين مثل هذه المظاهر الوثنيَّة التي تشكل عيبًا وعاراً على كنيستنا المسيحيّة، خصوصاً، وأنّه اليوم تنتشر أكثر وأكثر الأعراس في المنتجعات السياحيّة أو الحدائق العامة. طبعاً، نحن نراعي بعض الناس الذين يتعلّقون ببعض العادات الإجتماعية كالزهور والكوكتيل والتصوير والفيديو وكلّ ما لا يخصّ جوهر الزواج المسيحي. مجتمعنا للأسف مجتمع سطحيّ متغرّب عن تراثه ويتعلّق بالقشورـ سامحوني على هذه التعابير- لكن هذا هو الواقع.
    أخيراً اتمنى وأصلّي حتى يبقى هناك نخبة، خميرة صالحة، تشهد على قدسيّة الزواج، على هذا الفرح الحقيقي، فرح الربّ الذي هو وحده ضمانة استمرار الزواج ونجاحه
     هذا يجّنبنا مخاطر الطلاق، ولا يعرّض الأولاد لأن يكونوا كبشاً للمحرقة، ويُبقى إكليل المجد ساطعاً مع المسيح الممجّد إلى الدهور، آمين
     

     



Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies