عظات راعي الأبرشية بالكلمة والصوت

  • الأحد 1/11/2009 - 2009-11-01 - Download

     

     
    الأحد 1/11/2009
    كاتدرائيّة القديس جاورجيوس – الميناء 
    1/11/2009
     
     
    باسم الآب والإبن والروح القدس آمين.
     
    في هذا المثل الإنجيلي غنيٌّ استغنى عن الله وفقيرٌ اسمه لعازر أي "الله الرحوم معيني". يتكلّم إنجيلُ لوقا على المال والفقراء ويقول: "لا يقدرُ خادمٌ أن يخدمَ سيّدين لأنه إمّا أن يُبغض الواحد ويُحبَّ الآخرَ أو يلازمَ الواحدَ ويحتقرَ الآخر، لا تقدرون أن تخدموا اللهَ والمال"  (لوقا 16: 13).
     
    الغنيّ يتنعّم ويترفّه كلّ يوم، والفقير لعازر يشتهي أن يأكلَ من فتات مائدة الغنيّ...هذا واقع معظم المدن الكبرى المحاطة بحزامٍ من الفقر المُدقع.
     
    مات المسكين فأخذته الملائكة إلى أحضان إبراهيم، أي إلى فردوس النعيم. هذا، لأن الله كان متَّكَلَهُ الوحيد. ومات الغنيّ فانتقل إلى حالةٍ من العذاب اللهيبيّ. وقامت هوّةٌ عظيمةٌ تفصل بين كليهما، إشارةً إلى استحالة تبدّل حالة الإنسان، إستحالةِ التوبة من بعد الموت.
     
    حالة النفس بعد الموت هي حالة انتظارٍ للدينونة في شيءٍ من العذاب للخاطئ. وفيها شيءٌ من الفرح، فرحِ انتظارِ القيامةِ العامّة. وفي هذه الحالة، أيضًا، راحةٌ ونياحة للإنسان غيرِ المتثقِّل بالخطايا. 
     
    الله لا يدين الإنسانَ على شرّ فعله فحسب، بل وعلى كلّ خيرِ لم يصنعه. والغنيّ يتعذّب لعدم رحمّته، وبسبب قساوة قلبه. 
     
    هذا المثل إنما هو بمثابة تحذيرٍ لنا من الانخراط، بل من الاستغراق المفرط، في ملذّات الدنيا، في الرفاهية الزائدة وما يستتبعها من أخطار. الإنسان المنبهرُ بالمال، بالسلطة وبالجسد، بالذكاء وبالعلم، لا يجد عونًا من الربّ لأنّه استغنى عن المسيح. لقد أهمل كلامَ الإنجيل والصلوات، وضعها كلّها جانبًا خارج برنامج حياته، بل تَراه يستهزئ بكلام الله.
     
    *    *    *
    أيها الإخوة الأحبّاء
    في العالم اليوم، وخصوصاً في بلدنا، هَمُّ مسيطرٌ على عقول الناس. المالُ أصبح مطيّةً لطلب اللّذة والسلطة والتنعّم. لكنّ الرفاهية الزائدة تقود إلى قساوة القلب، إلى الخطيئة، حسب تعليم القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم. وشرّ الخطايا هو "عدمُ الإحساس بالخطيئة"، بحسب القدّيس إسحق السرياني.
     
    نعم، هذا ما نتعلّمه من إنجيل اليوم. وليس من حقيقة فوق حقيقة الإنجيل. تنعُّمُ الغني أرسله إلى الجحيم، وصبرُ لعازرَ أودى به إلى أحضان إبراهيم، أي إلى فردوس النعيم. ليست الكنيسة ومؤسّساتها من أجل تجميع الأموال، وخدمة الذات، وتغذية أهواء السلطة والرفاهية. نعم، المالُ وُجد لتسهيل أمور الناس وتلبية حاجاتهم الشرعيّة. ولنا أن نتعلّم كيف تُنظَّم الأمورُ الماليّة من أجل خدمة الآخرين. طبعاً، علينا أن نصبرَ على الأغنياء المتنعمّين، والوجهاء المتسلّطين. الكنيسة ورأسُها المسيح وُجدت من أجل الرحمة والتحنّن على القريب. هذا ما كان ينقص لدى الغني في المثل الإنجيليّ. 
     
    ليس الغنى، بحدّ ذاته، عيبًا؛ ولا الفقرُ بحدّ ذاته فضيلةً. إنّما قساوةُ القلب، عدمُ الرحمة وعدمُ الإحساسِ بالخطيئة، هي العيبُ الكبير. وهذا ما يعترينا اليومَ في أحيانٍ كثيرة. فلنَصْحُ قبل فوات الأوان، ولنحمِلْ رسالة الرب يسوع في الأرض، حتى لا يَنْقَضَّ علينا ويلُ الجحيم فنهلكَ إلى الأبد.
     
    *    *    *    *
    وبالمناسبة، عَرَفْتُ كم من جهود، خفيّة وظاهرة، بُذلت في هذه الرعيّة عبر مجلس الرعية أو خارجه، أو عبر مؤسّسة أو جمعيّة أخرى من أجل إعانة الفقير؛ جهودٍ بذلها أصحابُها، لا للوجاهة أو لمجرّد تمثيل العائلة، بل من أجل نقل عزاءِ الله للآخرين. هذا ناتجٌ عن فعل إيمان مجسَّدٍ وشعورٍ داخليّ مع القريب المطروح عند بابنا، أيًّا كانت هوّيته أو دينه.
     
    أذكر أيضًا جهود كهنة الرعية الورعين الذّين ساهموا ويساهمون في نشر روح الشركة فيما بين الناس. وأخصّ بالذكر المتقدِّم في الكهنة، الأب غريغوريوس موسى، في ذكرى سيامته كاهناً على هذه الرعيّة المباركة في 31 تشرين الأول 1965، أي بمناسبة مرور 44 سنة على رعايته وخدمه بأمانة، سائلاً الله أن يمنّ علينا بالاستمرار في هذا الخطّ المبارك، من أجل استدرار رحمته ونعمه علينا، على بلدنا وعلى العالم أجمع. آمين
     

     



Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies