عظات راعي الأبرشية بالكلمة والصوت

  • صلاة النوم الكبرى - 2010-03-04 - Download

     

     

    صلاة النوم الكبرى
    فيع
    4/3/2010
     
     
    فترة الصوم هذه تهيِّئنا للآلآم وعيد الفصح. هذه الفترة لها عدَّة أوصاف تعبِّر عنها في الكنيسة. من جملة هذه التعابير أنّها تُدعى فترة التَّنقية أو التطهير. يعني يعتني كل إنسان بجسده عليه أن يعتني بنفسه. كما يعتني بتنظيف بيته وجسده عليه أن يعتني بتنظيف نفسه. والكنيسة وضعت هذه الفترة حتى ينظر الإنسان قليلاً إلى نفسه ويبتعد قليلاً عن ضوضاء هذه الحياة، عن الأمور الخارجيَّة، حتَّى يركِّزَ على الأمور الداخليَّة. الكنيسة تساعد الإنسان حتى يتنقَّى بجسده ونفسه وعقله. لأنَّ الإنسان واحد.
     
    ما الذي يطهِّر وينقِّي الجَسَدَ حتَّى يصير طاهرًا؟ هل الغسل بالماء خارجيًّا فقط؟ الإنسان إذا أكل كثيرًا، وأكل مآكِلَ دَسِمَة يصبح الجسدُ ثقيلاً، لا يعود يقدر أن يفكِّر بشكل صحيح، ينعس، يريد أن ينام. لذلك، تقول صلاة القدِّيس أفرام السرياني: "أعتِقْنِي من روح البطالة والفضول." البطالة تعني الكسل. نحن كثيرًا ما نكون كسالى. في عدد نشرة الكرمة الأخير في الأحد الماضي يوجد شيء مكتوب عن البطالة. إذًا، الذي يضبط الجسد هو الصوم. يضبطه عن الأطعمة الدسمة واللذيذة. كلّ هذا يساعد على تنقية الجسد، لدرجة أنَّ الذي يدرس هذا الجسد في العلوم الطبيّة، يعرف أنَّ بعض الأطبَّاء يَصِفُونَ الصَّوم كدواء، حتى أنَّ الدم يتطهَّر، يصبح الإنسان "خفيف الدم" من الناحية الطبيّة. ليس هذا فقط، العقل أيضًا يصفى، الإنسان نظرته للأمور تصير أوضح. طبعًا، إذا أَكْثَرَ الإنسان من الصَّوم ينهار الجسد، بينما إذا صام حسب ترتيب الكنيسة وامتنع عن اللحم والأشياء الدَّسِمة والبياض والأجبان، فهذا يساعده، ليس فقط حتى يتطهَّر الجسد، بل حتَّى يضبط الإنسان نفسه.
     
    يوجد شيء اسمه "الأهواء". من يقدر أن يفسِّر لنا معنى كلمة "أهواء" (passions)؟ هي ميول الإنسان، رغباته. اليوم، في العالم، كم يهتمُّون بالجسد؟! كلّ هذه الدعايات التي ترونها على الطرقات، كلّها قضيَّة مظاهِر وغذاء للجسد، كلّ هذا سطحيّ جدًّا. الإنسان يهمُّه ليس فقط المظهر الخارجي لأنَّ قيمة الإنسان في داخله، في نفسه. لأجل ذلك، نتمسَّك بموضوع الصَّوم في كنيستنا. نحن لا ننقطِع، فقط، عن الشوكولا والسيجارة والقهوة...الخ.
     
    اليوم الناس "معصّبِين"، يحتاجون للقهوة حتى يتحملّوا، يقول البعض. لكن، الذي يقدر أن يصوم إلى جانب الصلاة، لأن الصوم ليس حِمْيَةً (régime)، يصير إنساناً هادئاً، عنده سلام، لا يعود "يُنَرْفِزْ"، لا "يُعَصِّبْ"، لا يعود يأخذ أدوية أعصاب، يوفِّر المال على نفسه، لا يعود يذهب عند الأطبَّاء كثيرًا، يكتسب الهدوء، السلام. هذا من ناحية الصوم.
     
    ومن ناحية الصلاة، فالصلاة هي غذاء للنفس. كما يوجد أهواء جسديَّة كذلك، أيضًا، يوجد أهواء نفسيَّة مثل حبّ المال، الأنانيَّة، حبُّ الظهور، حبُّ الرئاسة، الغضب، الحقد، النميمة، الثرثرة...
     
    كلّ هذه الصلوات في هذا الزمن المبارَك تساعِد النَّفس وترفعها. لا يعود الإنسان إنسانًا أنانيًّ، يفكِّر فقط في نفسه. أنتم في الصوم هل تفكرّون بغيركم؟ من منكم يفكِّر بغيره؟ كيف يقدر الإنسان أن يفكِّر بغيره كالمحتاجين، الأرامل، المرضى الناس الذين لا يزورهم أحد؟ إذا كان الإنسان مسيحيًّا، من المفروض أن يعمل زيارة لشخص لم يره من زمن، مثلاً، كما افتقدنا ربُّنا وجاء إلينا. إنَّه أمر جيِّدٌ أن نفتقد بعضنا البعض. هذا من منافع الصوم. هذه المواضيع من المفروض أن نفكِّر فيها كمسيحييِّن خاصَّة في زمن الصوم.
     
    "من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه"، قال الرَّبُّ. غدًا، يأتي علينا عيد الصليب. أصعب شيء أن ينكر الإنسان نفسه. هل من الممكن أن ينكر الإنسان نفسه، أن ينساها؟ هل هذا ممكن؟ إسألوا الأمَّهات اللواتي ربَّيْن أولادهنَّ كم ضحّّينَ حتى ربَّيْنَ أولادهُنَّ. الأمر يحتاج لتضحية، بدون تضحية الإنسان لا يأتي بشيء جديد. ونحن كنيسة واحدة يقول أبناؤها "وبالصليب أتى الفرح لكلّ العالم". الذي لا يَعْبُرْ بالصَّليب والآلام لا يَعْبُر بالفرح، فرحه يكون سطحيًّا، لا يكون فرحه حقيقيًّا.
     
    نتمنى أن تقضوا هذا الصوم ببركة كبيرة، حتى تصلوا إلى الفصح بفرح، آمين
     
     

     



Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies