عظات راعي الأبرشية بالكلمة والصوت

  • الأحد بعد رفع الصليب الكريم المحيي في دير مار يعقوب - 2011-09-18 - Download

     

     
    الأحد بعد عيد الصليب
    18/9/2011
     
        أيها الأحباء، نحن في هذا اليوم الواقع نهار الأحد بعد عيد رفع الصليب المكرَّم، سمعتم هذا الإنجيل الذي يتكلم على الصليب، ومنه سوف نستنتج معنىً لصليب المسيح، ولصليبه في حياتنا. هذا المقطع اختارته الكنيسة من إنجيل مرقس الإصحاح الثامن، وإصحاحات الإنجيلي مرقس عددها ستة عشر، وبالتالي فالإصحاح الثامن هو وسط هذا الإنجيل. هذا رمزٌ لموقع الصليب في الكنيسة، الذي دائماً، كما ترون، يكون موضوعاً في وسط الكنيسة، وأكثر من ذلك هو موضوعٌ في وسط الكون، وأكثر أيضاً هو موضوعٌ في وسط حياتنا وفي وسط قلبنا. الذين يؤمنون بالصليب أي بالمصلوب، والذين لا يؤمنون بالمصلوب، هم يعيشون في وسط حياتهم، هذا الصليبَ، صليبَ المسيح، الذي هو خالق الكون. 
        إذا تأمَّلنا في هذا المقطع الإنجيلي، وموقعه في الإصحاح الثامن، نرى أنه يسبقه مقطعٌ، يتكلَّم فيه الرب يسوع مع تلاميذه، ويُنبِئُهم أنه سوف يتألَّم ويموت ويقوم في اليوم الثالث، وقد تعجَّبَ بطرس من ذلك الكلام، وقال له: "حاشا أن يكون لك ذلك". فأجابه الرب يسوع: "إذهب عني يا شيطان، كلامُك هو كلام الناس، وليس هو كلام الله". يأتي بعدها المقطع الذي يقول فيه الرب يسوع: "من أرادَ أن يتبعني، فليُنكِر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني". يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "لم يكتفِ المسيح بأن يُنبئَ تلاميذه بما سيحدث معه، بل دعاهم إلى المصير ذاته، إن شاؤوا أن يتبعوه". يستشهد بقول الرب في إنجيل يوحنا: "إنَّ حبة الحنطة التي تقع في الأرض، إن لم تَمُت لن تأتي بثمرٍ كثير" ويضيف: "إنَّ المسيح لا يُعدُّهم لموته فحسب، بل لموتهم أيضاً".
    نحن نعرف من الآباء القديسين، أنَّ إنكار النفس هو أصعبُ شيءٍ بالنسبة للإنسان. فمن يستطيع أن يُنكرَ نفسه؟! وماذا يعني أن يُنكرَ الإنسانُ نفسه، إذا أراد أن يتبع المسيح؟ الإنسان ممكن أن يُبعِدَ عنه ويتجنَّبَ مغريات هذه الحياة، ولكن أن يُنكِرَ نفسه، أن يَحسَبَ نفسه لا شيء، أن لا يتمسَّكَ بإرادته ورأيه وموقفه، فهذا شيءٌ صعبٌ. وممَّا يساعدُ الإنسانَ على هذا العمل -كما يقول الآباء الرهبان- هو أن يقطع إرادتَه، قطع الإرادة هو بعبارة أخرى "الطاعة، الخضوع"، ولكن الخضوع لمن بالنهاية؟! لكلمة الله، لإرادة الله، لمشيئة الله.
    أن نطيعَ رئيسنا، ما هو إلا تدريب، أي طريقة عملية لكي نستطيع أن نطيعَ الله، هذا هو الإيمان الصحيح، أن لا نطيعَ أخبارَ العالم وما يقوله الناس، لكن أن نقتنع، أن نؤمن، وأن نعيش كلمة الله، وصايا الرب يسوع. لكن لا يكفي للإنسان  أن يطيع، ولا يكفي أن يخضع. يقول القديس كيرللس الإسكندري: "كي يستطيع الإنسان أن يُطيع، وأن يُنكرَ نفسه، عليه أن يُحبّ، أن يكون عنده محبة الله ومحبة القريب". وحدها المحبة تساعدُنا أن نُنكرَ نفسنا ونضحِّي من أجل الآخرين. 
        هكذا أيها الأحباء، الصليب يذكِّرنا بهذه الحقيقة، حقيقة الطاعة لكلمة الله، وحقيقة المحبَّة الكبرى، هكذا نتشبَّه بالرب يسوع المسيح، الذي أطاع حتى الموت، موت الصليب. آمين.
     

     



Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies