عظات راعي الأبرشية بالكلمة والصوت

  • زيارته لراشيا في الآحد الأول من أيلول٢٠١١ - 2011-09-04 - Download

     

     
    راشيَّا الوادي
    4/9/2011
     
    إني كما تشعرون سعيدٌ جداً أن أكون بينكم، وأتمنى أن أكون أكثر من ذلك. نحنُ عندنا مفتاحٌ سرّي نتصل به بكل العالم، وخصوصاً بأحبائنا، هو مفتاح الصلاة. هذه الصلاة التي تجمعنا اليوم، هي ليست صلاة بشرية فقط، وهذا الفرح هو ليس فرحٌ بشري، إنه فرحٌ سماوي. نحن في كنيستنا الأرثوذكسية نحتفل - خصوصاً في كلِّ يوم أحد- بما نسمِّيه "العرس السماوي". هذا من إيماننا أن هذا الإجتماع الليتورجي يتخطَّى الزمان والمكان، والإنسان المسيحي يعلو ويسمو بفكره وقلبه إلى ما هو أبعد من هذه الدنيا، وهذه هي من نعمة الله الغزيرة.
           وأعود إلى هذا الإنجيل رابطاً إياه بهذه المقدمة، الإنجيل يتكلَّم عن هذا الشاب الغني، الذي يأتي إلى الرب يسوع بحشرية، هو شابٌ مثل شباب اليوم. الشاب الذكي الجدِّي يبحث اليوم عن الحقيقة، عن الصدق، لأنه في هذا العالم نرى كثيراً من الأشياء المصطنعة غير الصادقة، والجيل الجديد اليوم، يبحث عن شيء صادق حقيقي. يأتي هذا الشاب ويسأل الرب يسوع: ماذا يجب أن أعمل حتى أرث الحياة الأبدية؟ هذا الشاب كان يهودياً، واليهود حسب شريعتهم، كانوا يبحثون عن الحياة الأبدية، ويقولون إنها تُكتسب بالأعمال الصالحة. لكن ما معنى الحياة الأبدية؟ الحياة الأبدية هي الحياة التي تتخطَّى الموت، وتتخطَّى هذه الحياة الدنيوية.
    وتعرفون كم أننا متمسِّكون بهذه الحياة، كلُّنا متمسِّكٌ بهذه الحياة. لماذا؟ العلماء النفسانيون يقولون، إنه بسبب خوفنا من الموت نتمسَّك ونتلذَّذُ، نتمسَّك بأموالنا كأنها تدوم إلى الأبد، نتمسَّك بملذاتنا كأنها هي الفرح الحقيقي، أما الإنسان أصلاً، فيسعى إلى حياةٍ أزلية، وهذا موجودٌ في عمق ضمير كل واحد، يحسُّ الإنسان كأنه يعيش إلى الأبد، لكن يأتي المرض ويأتي الموت، فيصدمه.
    وهذا الشاب يأتي بهذا السؤال العفوي ويقول له الرب: أتعرف الوصايا؟ لا تقتل، لا تزني، لا تشهد بالزور، أحبب أباك وأمك... فيجيبه الشاب: لقد فعلتها كلها، وهذه الأعمال ربما أكثرنا يفعلها. لكن هذا الشاب لا يكتفي بهذه الشريعة، بهذه الوصايا (كما يسمون إنسان آدمي، لا يقتل، لا يزني...)، لا يكتفي، يريد شيئاً أكثر يروي غليله، ويعطيه حياةً فُضلى، فيقول له الرب يسوع: إن كنتَ تريد أن تصبح كاملاً، إن كنتَ تبحث عن هذه الحياة التي تدوم إلى الأبد، بِعْ كلَّ شيء ووزعه على الفقراء وتعال اتبعني.
    ولكن كيف يتجرَّدُ الإنسانُ من كلِّ غناه؟ كيف يتجرَّد الإنسان من كلِّ شهواته؟ هذا الشيء العسير على كلِّ واحد منَّا، فالإنسان متعلِّقٌ بهذه الحياة المادية، وهذا هو الذي يخرب العالم اليوم. يتحاربون، يتقاتلون من أجل المصالح المادية، أما نحن المسيحيون، فنحنُ لا نكتفي بهذه الحياة الدنيا، بل نريد أكثر، ولذلك جاء الرب يسوع، ولكن هذا الأكثر يكلفنا كثيراً...
    "إن أردتَ أن تكون كاملاً، بِعْ كلَّ شيء ووزِّعه على الفقراء وتعال اتبعني"، هذا لا يعني أننا لا نعود نعمل، لا نعود نقتني المال، أو لا نعود نتزوَّج، ولا نقتني البيوت وغيرها. هذا يعني أنَّ للمسيحي ولكل إنسان ينظر إلى بعيد، أن يُحاول دائماً ألا يتعلَّق بمقتنياته، ألا يكون أسيراً لمقتنياته، عند ذلك يصبح حرّاً، ويذوق هذه النعمة الإلهية. نحن نؤمن أننا إن كنَّا نريد أن نقوم وأن نفرح، لابُدَّ لنا أن نتخلَّى، الإنسان الذي لا يعرف أن يتجرَّد عن أنانيته، لا يذوق هذه الحياة الأبدية، لذلك نطلب من الرب أن يُعطينا هذه الرؤية الأرثوذكسية، حتى تكون لنا حياةٌ لا تفنى. آمين
     

     



Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies