عظات راعي الأبرشية بالكلمة والصوت

  • أحد القديسة مريم المصرية - 2011-04-10 - Download

     

    أحد القديسة مريم المصرية
    10/4/2011
     
    باسم الآب والإبن والروح القدس، آمين.
     
    أيُّها الأحبَّاء، لقد ذكر الرسول بولس في رسالته إلى أهل روميه هذه الجملة المميّزة التي تقول: "إنَّ ملكوت السماوات ليس طعاماً ولا شراباً بل فرحٌ وسلامٌ ومحبَّة". الكنيسة، اليوم، في هذه الترتيلة الجميلة التي تُقال قبل القداس الإلهي، بعد ما يُدعى بالذكصا أي المجد للآب والإبن... ترتِّل لنا جملةً مرادِفة وتقول: "لنا ليس ملكوت الله طعاماً وشراباً بل برّاً ونُسكاً مع قداسة".
     
    فلنفهم كيف في هذا الصوم وفي هذا الأحد الخامس من الصوم حوَّلَتِ الكنيسة كلام بولس إلى كلامٍ ينسجم مع الترتيلة التي تعبِّر عن معنى هذا الأحد أي أن ملكوت السماوات ليس طعاماً ولا شراباً بل هو برٌّ ونسك مع قداسة . وبما أنَّنا في هذا الدير المقدّس لنا أن نذكر كلمة واجبة عن هذه القدِّيسة العظيمة البارَّة مريم المصريَّة التي نقيم تذكارها اليوم.
     
    هذه الإمرأة كانت إمرأة زانية، وتحوَّلَت بشكلٍ عجيب إلى أمرأة قدِّيسة. وقد كرَّسَتْ الكنيسة قداستها، وخصَّصَتْ لها هذا الأحد الخامس في أواخر هذا الصوم لكي نتذكَّر هذه القديسة ونتأمَّل بحياتِها وخصوصاً أن نتأمَّل بهذا السِّرّ الذي جعلها تتحوّل رأساً على عقب، إلى حد أن الكنيسة تعتبرها نموذجاً للتوبة!
     
    يعتقد البعضُ أنّ الموضوع هو موضوع زنى جسدي. في الواقع، هذه كانت خطيئة مريم المصرية التي أمضت وقتاً طويلاً في هذا الفسق الجسدي، وعندما أتت إلى أورشليم إلى القدس بطريقةٍ عجيبة استنارَت وتحوّلت حياتها وذهبت إلى الصحراء، فقضت فترة طويلة هناك، أكثر من 40 سنة، في التوبة حتى وصلت إلى حدّ القداسة!
     
    هنا يُطرَحُ السؤال: لماذا وضعت الكنيسة هذا العيد في الأحد الخامس من الصوم؟ ماذا تريد الكنيسة أن تعلّمنا؟
     
    الكنيسة تعتبرها نموذَجاً للتوبة. إذًا، حياتها ومثالها يعلّماننا كيف علينا نحن أن نتوب! القضيَّة لا تقتصر، حسب تفسير آبائنا القديسين، على الزنى الجسدي! والكتاب يدل بصورة واضحة أنَّ الرذيلة الكبرى عند الإنسان ليست هي تجربة الجسد والخطيئة الجسديَّة، مع أن كل إنسان، وأيضًا، الراهب والراهبة يُجرَّبون جسدياً لأنَّنا كلّنا نحمل هذا الجسد، هذه الطبيعة الضعيفة الساقطة.
     
    لكن، التراث الكتابي يدلّ على أن الزنى الكبير عند الإنسان، الخطيئة العُظمى عند الإنسان هي الكبرياء، الأنانية التي جعلت آدم يسقط. ويقول الأنبياء بصورةٍ واضحة، وهوشع هو الأفضل في التعبير عن هذا الأمر، أنَّ زنى إسرائيل كان ابتعاده عن الله. وهذا هو زنى الإنسان اليوم! أنه يبتعدُ عن الله فيسقط في الخطايا والشرور!
     
    وماذا عن التوبة؟ كيف تحصل التوبة، التي هي العودة إلى الله؟ هنا نعود إلى هذه الجملة التي تقول: "ليس ملكوت الله طعاماً وشراباً بل هو برٌّ، طهارةٌ ونسك مع قداسة!"
     
    ما هو النسك؟ لماذا الكنيسة ولماذا الرهبان يتمسَّكون بالنسك؟ الكلمة الأصلية باللغة اليونانية Askisis تعني تمرين، تدريب، أي أن يتدرَّب الإنسان طول حياته كيف يعود إلى الله، كيف يتوب قبل أن يفارِق هذه الحياة الأرضية!
     
    الكنسية تعلِّمنا ذلك بواسطة مريم المصرية التي وعت، واكتشفت ضعفاتها. تأمَّلَت بخطاياها، رأت حقارتها وصَبَتْ إلى المسيح، تطلّعت إلى الرَّبِّ. بهذا العشق، كما يقول يوحنا السلمي، استبدلت العشق الجسدي بالعشق الإلهي. عندما يكون الإنسان المسيحي ملتصقًا بالرَّبِّ يتدرَّب على ذلك بنسكٍ، أي بجهادٍ، بتمرين يومي حول كيف يحب الله وكيف يحب كلمة الله! كيف يحب أن يصلي بحرارة من قلبه!. هذا يتطلب جهداً يومياً. الإنسان المسيحي الجديّ يتدرَّب على هذا الأمر كلّ يومٍ في بيته، وحتى في عمله. عند ذلك، الرَّبّ يسوع يعطيه هذه النعمة التي تتخطَّى ضعفه وخطاياه الجسدية أو النفسيَّة.
     
    لذلك، عندما التقى القديس زوسيماس الراهب في الصحراء مريم المصرية بعد 40 سنة من النسك، رأى هذا الشيخ أمامه شبحاً. يُمكن أن تروا هذا مصوَّرًا على الإيقونة. أصبحت مريم المصرية لحماً على عظم. لكنَّه رآها في حالةٍ من نور، لم تعد، فقط، إنساناً بشرياً فهي قد التَحَفَتْ بالنُّور الإلهي. الرَّبُّ انتشلها من هذا الكون الفاسد إلى مجدٍ عظيم وتقدَّسَتْ. ونحن، إذا ما التصقنا بالرَّبِّ، لنا رجاء كبير أن نتخطَّى ضعفاتنا وخطايانا ونتقدَّس معها ومثلها، آمين
     

     



Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies