ال"نونز" يزدادون والبروتستانت يتراجعون

2012-11-24

 

للمرة الاولى في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية، لم يعد البروتستانت الغالبية. سابقة تاريخية تعكس تغييرا في المشهد الديني الاميركي، والاكثر انها تمهد لرسم وجه مستقبلي مختلف لاميركا. واذا كان البروتستانت الى تراجع، فان من يكسب مزيدا من الارض هم الـ"Nones" ("نونز")، مع اعلان واحد من خمسة اميركيين ان "لا انتماء دينيا" له. 
 
من العام 1960، نال الـ"نونز" تسميتهم تلك، ولاحقهم الباحثون في تطورهم على مر الاعوام. "النونز الى ازدياد: بالغ من خمسة لا انتماء دينيا له"، عنوان دراسة نشرها معهد "بيو" للبحوث- "فوروم بيو عن الدين والحياة العامة" في ت1 2012، وبينت ان "حصة" البروتستانت تدنّت، للمرة الاولى، الى اقل من 50%، الى 48%، فيما ارتفع عدد الـ"نونز" الى 20%، بزيادة 5% عما كان عليه في الاعوام الخمسة الماضية (15%). 
تراجع البروتستانت كان متوقعاً. والمؤثر انه يأتي في مرحلة لا يوجد اي بروتستانتي في المحكمة العليا الاميركية، وفي وقت خاض الجمهوريون الانتخابات الرئاسية من دون مرشحين بروتستانت. هذا الواقع يقرأه العميد المساعد لدكتوراه الكهنوت والتربية المتواصلة في معهد فيولر للاهوت –باسادينا(*) القس الدكتور كرت فريدريكسون، انطلاقا من ان "الولايات المتحدة تصبح اكثر تنوعا في مشهدها الديني". ويقول لـ "النهار": "مرة، وليس من عقود طويلة، كانت الديانة في الولايات المتحدة كاثوليكية وبروتستانتية ويهودية في شكل رئيسي. ولكن مع ازدياد عدد المهاجرين، ومع الارتفاع السريع للـ"نونز"، يتراجع عدد القائلين انهم بروتستانت".   
من هم الـ"نونز"؟ اكثر من 13 مليونا يصفون انفسهم بانهم ملحدون واللاأدريون (6% من الاميركيين)، الى نحو 33 مليونا يقولون ان لا انتماء دينيا لهم (14%). "وهذه الفئة من الناس هم اقل تدينا من عامة الجمهور، بما في ذلك تواتر حضورهم الشعائر الدينية والأهمية التي يعلقونها على الدين في حياتهم"، يقول معدو الدراسة. 
هذا النمو في اوساط الـ"نونز" يقلق القادة الدينيين الاميركيين، الذين يخشون ان يكون مصير الولايات المتحدة كمصير اوروبا، حيث تراجعت نسبة المؤمنين في الكنائس. وربما لقلقهم ما يبرره، خصوصا ان ارقام الدراسة تبيّن ان انخفاض البروتستانت يتركز خصوصا في اوساط البيض منهم، بما يجعل السؤال ملحا: هل يفقد البروتستانت وهجهم وتأثيرهم في الولايات المتحدة؟ 
"نعم، بالتأكيد"، يجيب فريدريكسون، "وهناك اعداد متزايدة من البروتستانت الذين تنقص ثقتهم بمؤسستهم الدينية. وهذا الامر لا يشمل البروتستانتية فحسب، انما ايضا كل الاديان. كذلك لا يقتصر هذا النقص في الثقة على الدين وحده، اذ ان كل المؤسسات: الحكومة والاعلام وعالم الاعمال والتربية، لم تعد موضع ثقة كما كانت عليه سابقا". 
في تشخيصه للوضع في ضوء خبرة طويلة، يجد انه "يُنظَر حاليا الى الديانة المؤسسية، بما فيها الكنائس البروتستانتية، على انها راكدة. فهذه الكنائس لم تعد مركزا للثقافة، وباتت على الهامش. وان تكون اكثر هامشية يعني ان عليها التفكير في ذاتها بطريقة مختلفة، وان تعمل في شكل مختلف ايضا". امر آخر يشدد عليه هو ان "هيمنة رجال الاكليروس والتركيز على المباني والبرامج والاعداد الاكبر لن يكونا من خصائص مسيحية جديدة في الغرب".  
لا لبس في الامر: المشهد الديني الاميركي يتغيّر... و"وضع استراتيجيات لتعزيز الاعداد البروتستانتية في هذا المشهد لن يجدي نفعا"، في رأي فريدريكسون. "الناس، خصوصا الشباب، يعارضون البرامج والاسترتيجيات لكسب ارتدادات جديدة، اذ يبدو الامر شبيهًا بالتسويق والاعلان. الشباب يميلون الى جماعات دينية تلتزم الممارسات الشافية للعالم وتساعد الناس وتعبّر عن الايمان في شكل حقيقي وبصدق وبتعابير عميقة. التحول الاكبر الذي يجب تحقيقه في الكنيسة هو الانتقال من النموذج الجذاب الى نموذج اكثر التزاما"، يقول. 
طموحات بروتستانتية تستبق ما يمكن ان ينتزعه الـ"نونز" لهم من مساحات في المستقبل، تصل حتّى الى السياسة وتغيير موازينها، في ظل صورة لهم مثيرة للاهتمام: البيض هم الذين حققوا الزيادة لمصلحتهم، و"نموهم يحصل في مجموعات ديموغرافية واسعة التنوع. نسبتهم ترتفع بين الرجال والنساء والخريجين، وحتى بين من لا يملكون شهادة ثانوية. منهم من يجني 75 الف دولار واكثر سنويا، ومنهم اقل من 30 الفا. وهم سكان كبريات المدن". 
تنوّع هذه المجموعة يشمل ايضا "معتقداتها الدينية وممارساتها، وهي تبتعد عن علمانية موحدة. 5% فقط منها يقولون انهم يشاركون في الصلاة اسبوعيا، ويعتبر الثلث ان الديانة مهمة في حياته، ويؤمن الثلثان بالله، ويجد 42% انهم غير دينيين او روحانيين، ويصف معظمهم انفسهم بانهم دينيون (18%) او "روحانيون ولكن غير دينيين (37%)". واذا كان الـ"نونز" يزدادون، ووهج البروتستانت يخبو، فذلك لا يعني ان رسالة المسيحية "مخيبة"، خصوصا للاجيال الشابة. وفريدريكسون من هذا الرأي، بحيث يعتقد ان "رسالة يسوع المسيح مقنعة جدا وتستحق ان تُتبَع. فهي رسالة حياة وحب ورجاء. انها قوية ومحوّلة. وما يخيب الشباب، كالعديد من الكبار ايضا، هو الاشكال التي تتخذها المسيحية، على صعيد هرمية رجال الكنيسة والرسائل غير ذي صلة والاقتتال الداخلي والمواقف الحكمية".       
ايا يكن، يبقى فريدريكسون متفائلا تجاه "مستقبل مشرق للبروتستانتية"، متوقعا "انبثاق مسيحية مختلفة كليا عما كانت عليه في الماضي". ويقول: "الاشكال القديمة للبروتستانتية تموت، غير ان اشكالا جديدة من الايمان المسيحي تنبثق، مع تركيز اكثر على الخبرة وعلى تكوين مجتمع حقيقي مع مؤمنين آخرين، بما يعكس حضور الله وقوته في حياة الناس".  
 
(¶)www.fuller.edu. 
معهد فيولر للاهوت هو الاكبر في شمال اميركا، اذ يضم نحو 5 آلاف طالب من اكثر من 70 بلدا و100 جنسية.    
 
 
 
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies