كلمة المطران جورج خضر في تشييع البطريرك هزيم

2012-12-15

 

 
 المطران جورج (خضر) 9-12-2012 كنيسة القديس نيقولاوس الأشرفية في خدمة تشييع المثلث الرحمات البطريرك إغناطيوس الرابع (هزيم).
   
بإسم الآب والابن والروح القدس أمين.
 
فيما كانت كنيسةُ الأرض تأخذُ منك جهداً كثيراً استدعاك ربُك إلى عُرسِ الحمل وإلى كنيسة الأبرار لتذوقَ بهاءَهم، وفرحاً عندهم يدوم إلى أبد الأَباد.
 
تخاطُبُنا من فوق لتقول لنا إننا إن لم نَنشَدَّ إلى الصالحات الباقيات نكونُ رمينا أنفسَنا في العدم. كان إنتقالُك تربيةً لنا لنعاشرَ السماويين علَّ شيئاً من غبطتهم ينزل علينا. تريدُنا أن نسهَرَ على الكلمة التي استُودعناها لئلا يُغرينا التَفَهُ وإذا نظرنا إليك نعرف أنك ترفع عيوننا إلى ربك.
 
قد يكون صعباً التمرنُ على الفراق ولكنك رَوَضتنا على أن الذين هم للمسيح ليس بينهم هُوة. أنت سبقتنا إلى الملكوت الآتي لتتربعَ مع القديسين ونتوقَ إليك وإليهم فنخلُدَ بسُكنى الروح القدس فينا. بعد أن تسلَحتَ به تدعونا إلى أن نشتهي وجهَ الآبِ وحده ولكونك ماثلاً أمامه تتقوى مرافقُتنا إياكَ ونصبح بصوتك في موكب الطاهرين. كنت تعودُ في معاشرتهم دائماً إلى بساطة المسيح التي تُلغي كل فارقٍ بين الأذكياء. ما الذكاءُ الحقيقي إلا التماعُ العقل الإلهي فينا.
 
لم تُغرك المنظورات لأن الذكرى الإلهية إقتربَ من سكناك. غير أنك من تراب مثلنا وكنت تعرف ذلك لكنك كنت تؤمن أيضاً أننا مدعوون إلى تجاوز التراب لنتسربل النور حسب قول الكتاب العزيز: “يا جميع الذين بالمسيح إعتمدتم المسيح لبستم”. ليس سهلاً على أحد أن يسكن كيانه كله في النور الإلهي. مع ذلك كنت تعرف أن عقول البشر، وأنت إليها في ثقافتك ليست بشيء عند نزول الكلمة الإلهية.
 
هذا على صعيد الفكر، غير أنك فهمت أنه كُتب لك أن تتخطى العقل كله بإنسكاب كلمة الله عليك لتكون فوق كل الكلمات وهذا لا يحصل إلا لمن تسربل فكر المسيح. أقولُ كلَ هذا مُستفيضاً، لأنك تفلسفت كثيراً قبل أن تنطق بالإلهيات. ففي التربية التي تلقيتَ والمعقولات التي نشات عليها بدأت من البَشَرَةِ بحيث إنها كانت هي معراجك إلى الإلهيات. والكنيسة الأنطاكية بنوع فريد كانت في عصور كمالِها تُرَكزُ نفسها دائماً على الجهد البشري في نسكها وسعيها في الكلام عن الله الذي لا يسوغُ النطقُ بهِ إلا بعد رياضات الحب.
 
الكلامُ عن الحب الإلهي الذي هو وحده موضوع اللاهوت، لا يأتيك إلا إذا إقتحمك الحبُ كيانياً فتفهم عندئذٍ العلاقةَ بين الطاعة لله والكلام عن الله. غير أن اللافت فيك أنك لم تفصِلْ بين الذوق الإلهي في داخلك وبين التكلم بالشأن الإلهي في معاناة العقل البشري التي نشأت عليها. ولكن العقلَ إذا اسْتَقَلَّ يعني أنه لم يتغذَ بالوحي ويعني أنه بقي لصيقَ الجسدِ والدُنيا وكلنا يعلم أن لباسك الثقافي الأول كان الفلسفة ومتابعوك يعلمون أن هذا العالم والفلسفة منه لا يكفي وأننا لا نستطيعُ أن نحيا ما لم يكن اللاهوتُ لباسنا.
 
هذا ما كُتب عليك أو ما كُتب فيك حتى بدا للجميع أنك رجل القلب أيضاً، والقلب كان مصدر الصداقة فيك وأحببت بعضاً من بشرٍ بقوة المشاعر العظيمة التي جَذَبتك وهذا لم يكن فقط من بشرتك ولكن من كيانك المُتمسحن العمق.
 
فاستدخلت أصدقاءك قلبك وكنت تحبهم ببساطة لعل هذه هي الفضيلة التي سيطرت عليك وبها أطللت على الأطفال وخفت على الشيوخ. حسبنا ببركات هذه الإطلالات أنك ستبقى بين شيوخها طويلاً غير أن الرب يستأثر بمن أحبهم كثيراً.
 
قُل للمخلص إننا بتنا لا نتكلُ إِلا على إشفاقِه على كنيستِه. متى تصبح هذه الكنيسة برأفات العروس المشتهاة؟ سلِّم على الذين يحبون أن نلتحق بهم. إن الإله المبارك ينصت إلى نجواك الضامة إيانا إلى رحمته آمين.
 
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies