دراسة في عيد الظهور الإلهي

2013-01-06

 

 
دراسة في عيد الظهور الإلهي
 
       عيد الظهور الإلهي، أو "عيد الظهورات الإلهية" كما تَسمّى باليونانية في الممارسة القديمة، هو المعروف بين الناس، عندنا، بـ"عيد الغطاس" إشارة إلى غطس الرب يسوع أو انغماسه في الماء. والغطس أو الانغماس له في اليونانية مقابل هو "فابتيزو" التي درجنا على استعمالها بمعنى "المعمودية".
 
       ويُقصد بالظهور الإلهي، أو بالسريانية دِنحو، ظهور الرب يسوع للناس أول مرة، وظهور الله ثالوثاً.
 
       كذلك سمِّي العيد، في القديم، "عيد الأنوار"، لأن الله نور وكنور يظهر، ولأنه معطى للناس أن يصيروا أنواراً من هذا النور المعتلن الذي لا يغرب.
 
       أصل العيد مشرقي. كان الاحتفال به، أول الأمر، يشمل الميلاد والعماد معاً. وقد استبان في القسطنطينية مقتصرًا على المعمودية منذ القرن الرابع الميلادي، وكذا في أورشليم. أما في الغرب فتأخر إلى ما بعد ذلك. يحتفل فيه هناك، إلى جانب معمودية الرب يسوع، بإكرام المجوس للسيد وبأعجوبة الخمر في عرس قانا الجليل. أما اختيار السادس من كانون الثاني موعدًا للعيد فليست أسبابه واضحة. لكن، ثمّة من يقول إنّ بعض المشارقة كان يعتبر زمن البشارة بيسوع في السادس من نيسان، فأتى زمن الميلاد عندهم (وبالتالي المعمودية) في السادس من كانون الثاني (بعد تسعة أشهر). هذا قبل أن ينفصل العيدان أحدهما عن الآخر. ثم غلب السادس من كانون الثاني للظهور الإلهي وشاع وإن كنا لا نعرف الأسباب المباشرة لذلك ولا الظروف المحيطة به.
 
في الأناجيل
 
       ورد الحديث عن معمودية الرب يسوع في الأناجيل الأربعة معاً.
 
       فأما متى الإنجيلي (الإصحاح 3) فتكلّم عن يوحنا المعمدان الذي جاء كارزاً في برية اليهودية داعياً إلى التوبة لأن ملكوت السموات قد اقترب. هناك خرج إليه أقوام من أورشليم واليهودية والكورة المحيطة بالأردن وقبلوا المعمودية بيديه في نهر الأردن وكانوا يعترفون بخطاياهم. لكن قوماً من المقبلين إليه تظاهروا بالتوبة، وكانوا من الفرّيسيين والصدّوقيين، فغضب عليهم وعنّفهم ووصفهم بـ"أولاد الأفاعي" وأنبأهم بأنه لا مفر لهم من غضب الله عليهم إلا أن يصنعوا أثماراً تليق بالتوبة. ثم لفتهم إلى أن ساعة الدينونة حلّت، والفأس وضعت على أصل الشجر، "فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار". كما بيّن لهم أن القصد من معموديته هو التوبة، وشهد لمن وصفه بـ"الآتي بعده" بأنه سيعمِّد "بالروح القدس ونار" وبه تكون دينونة الناس. حينئذ جاء يسوع من الجليل إليه وطلب أن يعتمد منه مثله مثل سائر الناس، فعرفه يوحنا وهابه قائلاً:"أنا محتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إليّ!" فأجابه يسوع:"اسمح الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر"، فأذعن. وكان لما اعتمد يسوع وصعد من الماء أن السموات انفتحت ورأى يوحنا روح الله نازلاً على يسوع مثل حمامة وكان صوت من السموات يقول:"هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت".
 
       أما مرقص، في الإصحاح الأول من إنجيله، فأورد أن يوحنا كان يعمِّد في البرّية ويكرز بما أسماه " معمودية التوبة لمغفرة الخطايا" شاهداً للآتي بعده بالقول:"أنا عمّدتكم بالماء وأما هو فسيعمّدكم بالروح القدس". فأتى يسوع إليه من ناصرة الجليل واعتمد منه في الأردن. للوقت وهو صاعد من الماء رأى يوحنا السماوات قد انشقّت والروح نازلاً عليه مثل حمامة، وكان صوت من السموات يقول:"أنت ابني الحبيب الذي به سُررت".
 
       أما لوقا الإصحاح 3 فتحدّث عن كلمة الله التي كانت على يوحنا بن زكريا وهو في البرّية، فجاء إلى الكورة المحيطة بنهر الأردن وأخذ يكرز "بمعمودية التوبة، موبّخاً متوعداً بغضب الله مقرّعاً من أسماهم "أولاد الأفاعي": وبعدما ردّد الكلام عينه الذي ورد في إنجيل متى عن الفأس والشجرة، سألته الجموع:"ماذا نفعل؟" فأجاب كلاً بحسب وضعه. للعامة قال:"من له ثوبان فليعط من ليس له، ومن له طعام فليفعل هكذا". وللعشّارين قال:"لا تستوفوا أكثر مما فُرض لكم". وللعسكر قال:"لا تظلموا أحداً ولا تشوا بأحد واكتفوا بعلائفكم". وفيما كان الشعب ينتظر والجميع يفكّرون في قلوبهم عن يوحنا لعلّه المسيح، اعترف يوحنا بأنه جاء ليعمّد بالماء وحسب، لكن ثمة من سيأتي بعده، ذاك سوف يعمّد "بالروح القدس ونار" وسوف ينقّي البيدر ويجمع القمح ويحرق التبن بنار. وأضاف يوحنا إلى هذا الكلام وعظاً وتبشيراً. ثم بعدما اعتمد كل الشعب اعتمد يسوع أيضاً، وفيما كان يصلّي انفتحت السماء ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مصحوباً بصوت من السماء يقول:"أنت ابني الحبيب بك سُررت".
 
       أما في الإنجيل الرابع (الإصحاح الأول) فالحديث هو عن يوحنا الذي "اعترف ولم ينكر وأقرّ"، للكهنة واللاويين بأنه ليس المسيح بل هو صوت يدعو إلى التوبة ويعمّد بماء. لا كلام مباشر عن اعتماد الرب يسوع منه، بل عن مجيئه إليه. وقد شهد يوحنا للآتي بعده، الذي قال إنه بات قائماً في وسط الجماعة ويفوقه كرامة بما لا يقاس. فلما تقدّم يسوع منه عرفه يوحنا بالروح وقال:"هذا هو...!" لم يكن، إلى ذلك الوقت، قد عرفه، لكن الذي أرسله هو قال له:"الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمّد بالروح القدس". أما لماذا جاء يوحنا معمِّداً بالماء فلكي يهيّئ الطريق ليسوع. بتعبير يوحنا الحبيب "ليُظهَر (أي يسوع) لإسرائيل". يوحنا المعمدان كان إنساناً مرسلاً من الله، "جاء للشهادة ليشهد للنور لكي يؤمن الكلّ بواسطته، لم يكن هو النور بل ليشهد للنور."
 
معمودية يوحنا
 
       دراسات كثيرة أُعدَّت في الموضوع ما ينفعنا منها، بصورة خاصة، أن معمودية يوحنا كانت حدثاً فريداً. صحيح أن الغسل بالماء أو قل معمودية الماء، كان معروفاً في إسرائيل، خصوصاً عند جماعة مذهبية يهودية تُعرف بـ"الأسينية"، ظُنّ أن يوحنا المعمدان انضم إليها أو عرفها، لكن ما أتت به معمودية يوحنا كان فريداً مميّزاً. أولاً: يوحنا مرسل من الله. ثانياً: يوحنا مرسل أمام الله (لوقا 17:1). ثالثاً: يوحنا مرسل ليعلن عن مجيء المخلّص. رابعاً: يوحنا مرسل ليهيّئ للرب شعباً مستعداً. كيف ذلك؟ بالإعلان عن اقتراب ملكوت السموات. بالشهادة المباشرة ليسوع. بالدعوة إلى التوبة. بتهيئة النفوس لتوبة صادقة عميقة. بنخس قلوبهم ليعرفوا خطاياهم، بتحريكهم ليتوبوا عنها، ليعترفوا بها، ليحتدّ فيهم الشوق إلى التماس وجه الآتي لمغفرة الخطايا وفقاً للوعد النبوي بأشعياء القائل:"أنا الرب ولا مخلّص غيري...هكذا قال الرب الفاتح في البحر طريقاً وفي المياه الطاغية مسلكاً .. ها أنا ذا آتي بالجديد... أنا الماحي معاصيك لأجلي وخطاياك لا أذكرها" (اشعياء 43). لذا ورد أن معمودية يوحنا كانت "معمودية التوبة لمغفرة الخطايا". لم تكن لغفران الخطايا ولا كانت لها القوة لذلك، بل لتهيئة النفوس بالتوبة لمغفرة الخطايا. هذا الأمر لا يؤخذ بخفّة ولا يعتبر تحصيلاًً حاصلاً. عمل يوحنا المعمدان كان أساسياً لأنه حيثما كانت التوبة ملتوية أو ناقصة أو ظواهرية انتفى غفران الخطايا. ثمة موقف في عمق الكيان ينبغي أن يتغيّر. ولعلنا نتبيّن أهمية هذا الأمر متى أدركنا الطابع الطقوسي الظواهري الذي طغى على الممارسات العبادية في إسرائيل. "هذا الشعب يعبدني بشفتيه، أما قلبه فمبتعد عني بعيداً". لذا نجد النبي السابق يقرّع الفرّيسيين والصدّوقيين الذين قال عنهم السيد، فيما بعد، إنهم ينقّون خارج الكأس والصحفة وهما من داخل مملوآن اختطافاً ودعارة (متى 25:23...). التوبة تغيير أساسي في القلب وله ترجمة. وللترجمة ثمار، "اصنعوا ثماراً تليق بالتوبة". قبل أن يحظى الخاطىء بغفران خطاياه ينبغي أن يتغيّر موقفه، أن يتغيّر سلوكه، أن تتغيّر نظرته وطريقة تعاطيه مع الأمور. هذا ما أكده يوحنا المعمدان وما سعى إليه وما كرز به وعمّد من أجله. معموديته كانت ختماً لصدقية توبة المقبلين إليه. وما كان هذا ليتم لو لم يكن روح الرب فاعلاً فيه ومنيراً له خفايا القلوب في القادمين إلى معموديته.
 
معمودية يسوع
 
       لماذا جاء يسوع إلى يوحنا ليعتمد؟ لم يكن بحاجة إلى توبة لأنه لم يعرف خطيئة، ولا كان بحاجة إلى تطهير (ليتين العيد). أتى إليه من أجلنا (سحر العيد – الأودية الأولى). مجيئه كان تأكيداً لمعمودية يوحنا أنها من الله. وبه-أي بالرب يسوع- كل البشرية، كل الذين استجابوا لدعوة الله إلى التوبة أو اشتاقوا إليها يأتون إلى يوحنا ليعلنوا توبتهم بمهابة وخشوع وينالوا من يده ختم الله أنهم صادقون. في صلاة غروب العيد نرتّل:"لما آثرت أن تخلّص الإنسان الضال لم تأنف من أن تتسربل صورة عبد فإنه قد لاق بك أيها السيد الإله أن تتقبّل ما لنا من أجلنا لأنك لما اصطبغت بالجسد أيها الفادي أهّلتنا للغفران..." (القطعة الرابعة على يا رب إليك صرخت)
 
       لقد وحّد الرب يسوع نفسه بنا. جاء إلى الأردن كخاطئ وهو المنزّه عن كل عيب. فعل ذلك لأنه أحبّ. فقط بالحب الكامل يمكن لأحد أن يتّخذ خطيئة سواه. ليس هذا اتحاداً شعورياً بل في مستوى القلب والروح. وإذ اتّخذ الرب يسوع بالحب خطايا الناس متّعهم بختم الرضى الإلهي عنهم لو تابوا مؤمنين. بهذا المعنى كانت معمودية الرب يسوع مقدّمة ورسماً لمجمل تدبير الله الخلاصي الذي "جعل الذي لم يعرف خطيئة خطيئة لأجلنا لنصير نحن برّ الله فيه" (2 كورنثوس 21:5).
 
       معمودية الرب يسوع، إذًا، شهادة ليوحنا وتأكيد لأهمية ما خرج من أجله، أي للتوبة الصدوق التي دعا إليها التماساً لغفران الخطايا، لا بالنسبة إلى الجيل الذي سبق مجيء السيد، وحسب، بل لكل جيل أيضاً؛ لنا نحن اليوم كما لمن سبقونا لأنه أي قدوم لنا إلى المسيح من دون توبة صادقة مثمرة وأي غفران خطايا؟! معمودية السيد تتّخذ معمودية يوحنا بعامة، تتبنّاها، كما تتمِّمها وتتخطاها في آن. بمجيء السيد انتفى مبرِّر وجود معمودية يوحنا كمعمودية مستقلة. لقد كانت إليه، تمهيداً لقدومه وإعداداً. أما وقد حضر واتخذ ما له فقد كملت شهادة يوحنا وعمله:"فرحي قد كمل. ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص" (يوحنا 29:3 – 30).
 
الظهور الإلهي
 
       معمودية الرب يسوع هي أول ظهور علني له بصفته المسيح المنتظر، بصفته ابن الله وحمل الله الرافع خطيئة العالم. رواية الميلاد أدنى إلى المقدِّمة، وهي تظهر السيد للخاصة لا للعامة. الإنجيليون الأربعة اتخذوا، في هذا الاتجاه، منحيين مختلفين. ففيما آثر متى ولوقا استهلال إنجيليهما بالكلام على ميلاد الرب يسوع، افتتح مرقص ويوحنا إنجيليهما بشهادة يوحنا المعمدان والظهور الإلهي.
 
       أما الشهادة للرب يسوع فهي من الله أولاً وأخيراً. من الروح القدس الذي شهد له بانحداره عليه بهيئة جسمية، مثل حمامة. ومن الآب الذي شهد له بصوت من السموات يقول:"هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت". ومن يوحنا المعمدان المرسل من الله، الذي شهد له قائلاً:"أنا لم أكن أعرفه ولكن الذي أرسلني لأعمِّد بالماء، ذاك قال لي...هذا هو الذي يعمِّد بالروح القدس. وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله" (يوحنا 33:1 – 34).
 
       من ناحية هويّة الرب يسوع، شهد يوحنا أن الآتي بعده أقوى منه وأنه هو-أي يوحنا- لا يستحقّ أن يحمل حذاءه (متى) أو أن يحلّ سيور حذائه (مرقص ولوقا ويوحنا). وعندما دنا يسوع ليعتمد منعه يوحنا بحجة أنه هو المحتاج إلى أن يعتمد منه. كما قال عنه إنه- أي المسيح- يأتي من فوق وهو فوق الجميع (يوحنا 3) وإنه صار قدّامه وقد كان قبله " ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا نعمة فوق نعمة" (يوحنا 1).
 
       من ناحية دور يوحنا، أكّد أنه عمّد بالماء إظهاراً للرب يسوع المسيح لإسرائيل (يوحنا 31:1) وأنه مرسل أمامه (يوحنا 28:3) وأنه ليس سوى صوت صارخ في البريّة "قوِّموا طريق الرب" وأنه مجرّد صديق للختن وليس هو الختن.
 
       من ناحية عمل الرب يسوع، شهد يوحنا أن هذا هو المخلّص الفادي. بكلام إنجيل يوحنا:"هذا هو حمل الله الرافع خطيئة العالم" (يوحنا 29:1). كما شهد يوحنا أن يسوع سوف يعمِّد بالروح القدس ونار وبه ستكون دينونة العالمين." رفشه في يده وسينقّي بيدره ويجمع قمحه إلى المخزن. أما التبن فيحرقه بنار لا تُطفأ".
 
       هذا ويتحدّث يوحنا الحبيب في إنجيله عن ظهور الرب يسوع كنور، لا بل عن كونه "النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان..."؛ كما يتحدّث عن يوحنا المعمدان بصفته الآتي "ليشهد للنور كي يؤمن الكل بواسطته" (يوحنا 7:1).
 
       على أنه بظهور الرب يسوع استبان الله ثالوثاً. هذا أيضاً إعلان جديد، كشف جديد. في العهد القديم أحدية الله كانت هي الكشف والختم بصورة مميزة. الثالوث عبر العهد القديم ألقى بظلاله ولمّا يستعلن. أمّا الآن فبلغنا ملء الزمن. بظهور الرب يسوع ظهر الله آباً وابناً وروحاً قدساً. استبان التلازم بين الآب والابن والروح القدس. "إن الثالوث إلهنا قد أظهر لنا اليوم ذاته خلواً من انقسام" (إيذيومالة الساعة الثالثة-سواعي الظهور). لم يكن الرب يسوع ليشهد لنفسه. "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً" (يوحنا 31:5)*. الآب شهد له والروح القدس كذلك. وكما يحوّل الآب كلّ الانتباه إلى الابن: "هذا هو ابني الحبيب..." يحوِّل الابن كل الانتباه إلى الآب ولا يقدر إلا أن يفعل كذلك تقديماً وتعظيماً وتمجيداً. الابن شفّاف للآب. وجوده بالذات يكشف وجه الآب. من عرف الابن عرف الآب لا محالة "أنا في الآب والآب فيّ". "من رآني فقد رأى الآب". "لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً". في هذا الإطار "ليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له" (لوقا 10:22). إنها طبيعة العلاقة بين الآب والابن. كل يشهد للآخر وكل يأتي بالآخر وكل يمجِّد الآخر. "لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً". "الآب قد أرسلني". "لست أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني" (يوحنا 5). الأمر نفسه يقال عن علاقة الروح القدس بالابن. " متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به...ذاك يمجِّدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم" (يوحنا 16). هذا ما ذخر به اعتلان الله ثالوثاً ساعة اعتمد السيّد في الأردن. شهادة الآب للابن لا تسلِّط كل الضوء على الابن وحسب:"هذا هو..."، بل تدشِّن العلاقة الجديدة للبشرية بالآب، تبلِّغنا إلى الملء بالرب يسوع. هكذا كلّم الرب يسوع الآب عن المؤمنين به:"كانوا لك وأعطيتهم لي. قد حفظوا كلامك...وآمنوا أنك أنت أرسلتني...قدّسهم في حقِّك...ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا...أنا فيهم وأنت فيّ ليكونوا مكمّلين إلى واحد وليعلم العالم أنك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني...ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم" (يوحنا 17). كل هذا سوف يتفتّق تدريجاً عبر خط سير مسيح الرب في حياته على الأرض وموته وقيامته، "لكي يعرفوك [أي ليدخلوا في شركة معك] أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا 3:17).
 
معان جديدة
 
       نزول الرب يسوع في مياه الأردن أدخل الخليقة في واقع جديد بالكلية. المياه رمز للحياة، لحياتنا، لنا. الرمز هنا هو ما ينطوي على الحقيقة الإلهية المعتلنة التي هي أكبر من عقولنا. فالرب يسوع انغمس في حياتنا، دخل فيها بالكلية. اتّخذها، لم يبق في مستوى التماس الخارجي. تسربل المياه، بحسب تعبيرنا الليتورجي. وإذ فعل ذلك قدّسها، قدّسنا، "اليوم طبيعة المياه تتقدّس". تستنير. أضحى فيها السيّد كلهيب (سحر العيد-الأودية السابعة). جلب إليها طوفاناً جديداً، طوفان نوح أغرق الخطأة وطوفان السيّد أغرق الخطيئة (الأودية السابعة – قانون آخر). "اليوم مياه الأردن تتحوّل إلى أشفية بحضور الرب...اليوم تمحى زلات البشر...اليوم أعتقنا من النوح القديم...اليوم نجونا من الظلمة وبنور معرفة الله استنرنا...اليوم المسيح يوافي إلى المعمودية لكي يُصعد البشر إلى العلاء..." (إفشين القديس صفرونيوس الأورشليمي).
 
       ثمة ولادة جديدة، حياة جديدة، خليقة جديدة تتبرعم ههنا. السيد يتصدّى لـ"الثعبان المؤذي الكلي الشر". يأتي لينقذنا من كل حيل التنّين وفخاخه (سواعي الظهور- الساعة الثالثة). بتقديسه طبيعة المياه صنع لنا "طريق إعادة الولادة بالماء والروح وأعادنا إلى الحرّية الأولى" (صفرونيوس). بحسب تعبير القدّيس كيرللس الأورشليمي:"أول المسكونة ماء وأول البشارة الأردن". معمودية السيد، بهذا المعنى، تأتينا كختم، كعربون، كاعتلان لما أتى من أجله، لما هو مزمع أن يحقّقه. نزوله إلى الماء رسم لنزوله إلى الجحيم بالموت حتى متى خرج بالجسد من المياه، من الموت، بالقيامة، أخرجنا إلى الحياة الجديدة، انفتحت لنا به السموات كما انفتحت له إثر خروجه من الأردن.
 
       ثم إن السيد بنزوله إلى المياه استبان فيه التواضع الأقصى كإله وخالق، إذ أفرغ نفسه آخذاً صورة عبد من أجلنا. وإذ اقترن التواضع فيه بالمجد الإلهي الذي شقّ السموات وانحدر عليه، رسم لنا بروحه ولحمه ودمه طريق الشركة في موته وقيامته. هذا ما سمّاه الرسول بولس، في كلامه عن المعمودية والموت والقيامة، "جدّة الحياة" لما قال:"...نحن الذين متنا عن الخطيئة كيف نعيش بعد فيها. أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته. فدفنّا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً في جدّة الحياة" (رومية 6).
 
       إزاء هذا الظهور الإلهي، إزاء هذا الفجر الجديد، تجد الخليقة نفسها في دهش، في حال من الخوف والذهول، في حيرة ما بعدها حيرة. نصوصنا الليتورجية تنضح بهذا الدهش تعبيراً شكرياً تسبيحياً على أجمل وأغنى ما يكون التعبير حتى إنك بإزاء هذا الحدث العظيم تجدك تخوض والكون كله ملحمة الملاحم على عتبات الملكوت. المياه فزعت، الأردن رجع إلى الوراء، انعكس جريه، هرب، البحر احتشم، السابق ارتعب. ابتهجت نفسه وارتعدت يده. مصاف الملائكة اندهشوا بخوف وفرح، وجنس البشر، بلسان صاحب الإفشين الكبير، يعلن في حيرة:"إني أنا عبدك الخاطئ غير المستحق، إذ أذيع عظائم عجائبك يشملني الخوف فأهتف إليك بخشوع قائلاً:"عظيم أنت يا رب وعجيبة أفعالك وليس من قول يفي بتسبيح عجائبك...".
 
 
 
المرجع:
 
الأرشمندريت توما (بيطار) (1997)، لبنان ، سير القدّيسين وسائر الأعياد في الكنيسة الأرثوذكسية (السنكسار) – الجزء الثاني، عائلة الثالوث القدوس – دير القديس يوحنا المعمدان – دوما
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies