مسيحيو السودان خائفون

2013-04-24

 

مسيحيو السودان خائفون وفي خطر مع تزايد "حملات" الحكومة 
كنائس تُهدَم ومسلمون يَحرقون أناجيل و"الرّب حامينا" 
 
عندما زار القس "خميس" كنيسته الصغيرة في ضاحية فقيرة من الخرطوم قبل عيد الميلاد العام الماضي، لم يجد سوى كومة من الأنقاض وبقايا جدار مطلي بالأزرق. كانت السلطات أرسلت قبل ساعات جرافة وعمالا، تحت حماية قوات الشرطة، لهدم الكنيسة.
 
"الحكومة تقول إن الأرض ملك لرجل أعمال. لكنني أعتقد أنهم دمروها، لأنهم يريدون استهداف المسيحيين"، يقول خميس. تلك الكنيسة هي واحدة من كنائس صغيرة عديدة هدمتها حكومة الخرطوم خلال الشهور الماضية، مما صدم المسيحيين الذين يخشون ألا يستطيعوا ممارسة شعائرهم الدينية في السودان ذي الأغلبية المسلمة، خصوصا بعدما انفصل الجنوب الذي تقطنه أغلبية مسيحية أو وثنية عن الشمال في تموز 2011. 
منذ الانفصال، أعلن الرئيس السوداني عمر حسن البشير أنه يريد تطبيق دستور إسلامي "مئة بالمئة". ورغم تأكيد الحكومة السودانية ان الدستور الجديد يكفل الحرية الدينية، فان مسيحيين كثيرين قلقون. "السلطات بدأت حملة في ك1 وتزداد سوءا". ووفقا لمصادر كنسية، "اقتحم ضباط أمن مكتبة احدى الكنائس وصادروا كل الكتب لفحص محتواها...". والوضع، كما يشرحه زعيم الكنيسة الأسقفية في السودان كبير الاساقفة دانيال دنج بول، هو ان "المسيحيين في الشمال في خطر، لأنهم لا يلقون اي احترام اليوم. لا يمكنهم حتى الاحتفال بعيد الميلاد". 
أغلبية أبناء الجنوب انتقلوا إلى جنوب السودان منذ إقامة دولتهم. غير انه لا يزال هناك نحو 350 ألفا في الخرطوم. ويعيش بعض المسيحيين أيضا في منطقة جبال النوبة على الحدود مع جنوب السودان. ورغم هيمنة المسلمين على السودان منذ قرون، فإن جذور المسيحيين تعود الى القرن الخامس. وقد نشطت حملات التبشير في القرن التاسع عشر. وفي ظل غياب احصاءات دقيقة، لا يعرف في شكل مؤكد العدد الحالي للمسيحيين. كذلك فان لبعض القبائل معتقدات وثنية.
المخاوف المسيحية يقابلها نفي مسؤولين في السودان أي تمييز ضد المسيحيين. ويقول ربيع عبد العاطي، وهو مسؤول كبير في حزب المؤتمر الوطني الذي ينتمي إليه البشير: "يمكن أتباع كل الأديان ممارسة دينهم بحرية كاملة. لا قيود إطلاقا". وفي قضية كنيسة "خميس"، يفيد مسؤول في جهاز حماية الأراضي الحكومية وإزالة المخالفات "ان الكنيسة اقيمت على أرض يملكها مواطن قدم شكوى. وفي ت2 2011 قررنا هدمها لكونها لا تملك حق استغلال الأرض...". غير ان مسؤولين كنسيين يتساءلون عن سبب هدم تلك الكنيسة التي بنيت العام 2000، من دون سائر المباني المجاورة في المنطقة ذات الكثافة السكانية العالية. وعلى مسافة أقل من كيلومتر في المنطقة عينها، تقع أنقاض كنيسة أخرى هدمتها السلطات السودانية أيضا. ويشيرون في هذه الحال أيضا إلى عدم حصول الكنيسة على ترخيص. يعترف مسيحيون بأن بعض الكنائس بنيت من دون أوراق رسمية. لكنهم يقولون إن سبب ذلك هو صعوبة استصدار تراخيص البناء، في وقت لمحت السلطات إلى أنها ستسمح ببقائها. غير ان الوضع ازداد سوءا بعد انفصال الجنوب، عندما أصبح الجنوبيون أجانب، وهم مطالبون باستصدار تراخيص بناء جديدة للكنائس الموجودة بالفعل، وهو ما لم تمنحه لهم السلطات. "التراخيص مجرد حجة للهدم"، يقول كبير الأساقفة بول. "لا يمكن الحصول على ترخيص، ثم يسألونك أين الترخيص؟ كيف يمكنني الحصول على الترخيص؟ من الرب؟!". 
العام الماضي، اقتحمت حشود من المسلمين المتشددين العديد من الكنائس ولحرق بعضهم نسخا من الإنجيل علنا. غير ان "السلطات لم تحقق كما ينبغي أو تحاكم المسؤولين. رأينا علامات واضحة على تنامي عدم قبول التنوع الديني والعرقي منذ انفصال جنوب السودان"، تقول الباحثة في شؤون السودان في منظمة "هيومن رايتس ووتش" جيهان هنري. 
في ك1 2012، بدأت الصحف السودانية التي تسيطر عليها الدولة في نشر اتهامات بأن بعثات أجنبية تعتزم التبشير بالمسيحية، وهي تهمة عقوبتها الاعدام في السودان. ووفقا لمصادر في الكنيسة، تم ترحيل مجموعة من الأجانب زادوا عن 100، وذلك بعدما نشرت صحف خبر تعميد فتاة مسلمة. غير ان بعض المرحّلين لا تربطهم سوى صلات بعيدة بالكنائس...
في ايلول 2012، وافق السودان وجنوب السودان على منح مواطني البلدين الحق في العيش والعمل والملكية في أي مكان يختارونه، لكن الاتفاق لم ينفذ، لأن نزاعات على الحدود والموارد أدت إلى تدهور العلاقات بينهما. ولم يحل نقل الملكية المشكلة. وأغلق ضباط أمن مركزا مقاما على أراضٍ كنيسة، وكان يشمل مدرستين لتعليم النوبية والإنكليزية. "من المفترض أننا مواطنون لهم حقوق متساوية. لكننا في نظر الحكومة كيان أجنبي يسعى الى تدمير السودان"، يقول مسيحي من كنيسة انجيلية في جبال النوبة. 
بعين الريبة، ينظر المسؤولون في السودان إلى النوبة، لأن الكثير من أبنائها انحازوا الى الجنوب خلال الحرب الأهلية التي استمرت عقودا، وانضموا اليوم إلى تمرد في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق على الحدود مع جنوب السودان. وتقول الخرطوم إن جنوب السودان يدعم هذا التمرد.
اليأس والقلق واضحان في العديد من الكنائس في الخرطوم، ومعظمها يعود الى عصر الاستعمار البريطاني الذي انتهى العام 1955. ويقول زعماء الكنائس إنهم يعتزمون التصدي لاي خطوات قمعية. وقدم وفد كنسي كتابا الى الحكومة للمطالبة باسترجاع الكتب المصادرة من مكتبة الكنيسة، والكثير منها غير متوافر في المكتبات الحكومية. في قداس الأحد في مبنى من طوب اللبن يستخدم ككنيسة في جوار المبنى المدمر، حاول واعظ بث القوة في المصلين القلائل الذين جاؤوا منذ الهدم. يقف امام مجموعة اقتصرت على 11 بالغا و4 أولاد جلسوا على مقاعد بلاستيكية قائلا: "هدمت الحكومة كنيستنا. لكن يجب ألا نخاف... الرب سيحمينا دائما". 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies