في كنف القدّيس سيرافيم

2013-07-17

 

في كنف القدّيس سيرافيم
 
كثيرون يحقّقون أحلامهم، وما أجملها أن تتحقّق! في مطلع الألفيّة الثّالثة للميلاد، جاء رهبٌ كاهنٌ ذو شهرة في كتابة الإيقونة ليحطّ رحالَه في قبرص، بعد جولات وجولات انتزعَتْهُ من أحضان وطنه روسيّا، ومرّت به في لبنان، حيث تَرَكَ له أثرًا هو جداريّات كنيسة دير سيّدة النّاطور- أنفه(طرابلس). إنّه الأب أمبروسيوس، الخارج عن الشّيوعيّة إلى صوامع دير لافرا "بسكوف" Pskov العريق، الّذي عجز الجيش الأحمر ودولته عن كسر عناد رهبانه وإغلاقه! 
 
حيثما حلّ هذا الكاهن، شدّ النّاس إليه بتواضعه وجمال فنّه في آن. ولكنّه حفظ في قلبه مكانةً خاصّة لقدّيس شدّ إليه المسكونة شرق وغربًا بجاذبيّة وهج الرّوح القدس في محيّاه على أبهر ما يكون! هو القدّيس سيرافيم ناسك ساروف، الّذي ما زلنا ننهل من بركاته وتعاليمه، ولا نشبع. 
 
إحدى هذه البركات يختبرها المؤمنون في جزيرة قبرص مرّتين في السّنة، منذ أتى الكاهن أمبروسيوس برفاة القدّيس، وعزمَ على إنشاء كنيسة له قرب منسكه الوضيع في قرية مهجورة قرب جبال "ترودُس" Troodos. كلّ سنة، في الثّاني من كانون الثّاني، والتّاسع عشر من تمّوز، تشهد طرقات القرية المهجورة عرسًا، والمنسك الوضيع يتّسع لأكثر من مئة شخص! 
قبل وضع حجر الأساس، كانت الصّلوات تُقام في المنسك، على رجاء بناء كنيسة الأحلام. أمّا منذ تمّوز 2012، فأضحى المؤمنون يحتشدون داخل جدران الكنيسة الّتي بلغت حتّى السّاعة الأمتار الأربعة، وما زالت تنتظر اكتمال البناء. في  الصّيف تحتلّ السّماءُ قبّةَ الكنيسة، وتتلألأ بجواهر نجومها، فتتحقَّقُ كلمات أنشودة كنسيّة ما زال شعبنا يجهلها، وبها تُختَم الاحتفالات الكنسيّة في اليونان وقبرص: "سماءٌ بهيّةُ الأنوارِ هي الكنيسة...". أمّا في الشّتاء فسقفٌ من "نايلون"، يقي الناس البرد والمطر. ورشة بناء الكنيسة تتحوّل لأجل المناسبة كنيسة كاملة، حيث تُعلّق الإيقونات المذهّبة من أعمال الأب أمبروسيوس، ويُفرَش السّجاد ويؤتى بالمقاعد، ويتقاطر المؤمنون من أنحاء قبرص، ومنهم جنسيّات متعدّدة. يحتفّون بالميتروبوليت الرّوحانيّ الجليل نيوفيطوس (مطران مورفو Morphou)، الّذي يحقّق بشجاعته أحلامَ الشّعب القبرصيّ المجروح، ويجرؤ فيلملم بقايا ماضٍ باهر، ماضي كنيسة الجزء المحتلّ من أبرشيّته، لئلاّ يندثر التّراث. 
 
"بارك يا سيّد"! فجأةً تتبخّر الجدران والمقاعد، وكلّ ما يمتّ إلى الهيولى، وتنفتح السّماء، وينخطف المصلّون إلى حيث القدّيس، عند أقدام ربّ المجد. كلّ من يعيش هذه الصّلوات، يفهم ما هو الملكوت من غير كتاب، ولا كلام. يفهم بالحسّ الرّوحيّ أنّه "متى اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون في وسطهم". ويفهم أنّ "ملكوت الله في داخلكم". ثمّ يصبح لاهوتيًّا، ويكرز للنّاس أنّ القدّاس الإلهيّ هو تجسيد لحياة الثّالوث الإلهيّة، هو عيش قمّة المحبّة، "لأنّ الله محبّة". الاجتماع حول "الحمَل الذبيح من قبل إنشاء العالم"، في ملء السلام والحبّ –ولا يمكن أن يكون غير ذلك- هو تحقيق حياة الثّالوث: "الله محبّة" و"ليس حبٌّ أعظم من هذا أن يبذل الإنسان ذاته لأجل أحبّائه". فمن يَطعَنْ بهذه المحبّة يَطعَنْ بالثّالوث.
 
في صباح 2 كانون الثّاني، عندما تنشر الشّمس أنوارَها، يختم الرّاعي الوقور نيوفطس القدّاس الإلهيّ بعظة وجيزة بليغة: يخبرنا كيف تنبّأ القدّيس سيرافيم عن الفترة الشيوعيّة وما بعدها، وعن عودة رفاتِه إلى الدّير، وهذا تمّ بالتّفصيل. ويخبرنا لماذا أوصى القدّيس راهباتِه بحفر خندق حول الدّير عمقُه متران ونيّف- كما حدّد هو بدقّة، ما إن تعود رفاتُه إلى الدّير، والسّير كلّ مساء في الخندق، مردّداتٍ تحيّة الملاك للعذراء:
 
"افرحي يا والدة العذراء مريم يا ممتلئة نعمة الرّب معك، مباركة أنت في  النّساء، ومباركة ثمرة بطنك، لأنّك ولدتِ مخلّص نفوسنا".
 لماذا؟ أجاب القدّيس: "لكي يتسوّر الدّير لا بالحجر أو الخشب بل بالصّلاة. هكذا عندما يأتي المسيح الدّجّال، لا يستطيع أن يجتاز السّور"، فتنجو  الرّاهبات، ويتحوّل الدّير ملجأً لكثيرين فيما بعد. 
وأنهى الميتروبوليت بقوله: "هكذا أديار نبغي!" أجل، كلّنا نبغي هكذا أديار وهكذا كنائس، تتسلّح بالصّلاة لتردّ هجمات الأعداء المنظورين وغير المنظورين، "لأنّنا لا نحارب ضدّ لحم ودم، بل ضدّ... أجناد الشّرّ الرّوحيّة"، كما يقول بولس الرّسول إلى أهل أفسس.
 
 
ملاحظة: أيقونة القدّيس سيرافيم أعلاه من كتابة الأب أمبروسيوس نفسه.
 
 
راهبات دير السيّدة-كفتون
قبرص، كانون الثاني 2013
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies