جواب السؤال

2013-07-25

 

          جواب السؤال

         أيّها الأخ الطيّب، لقد خلق الله الإنسان حرًّا على صورته ومثاله أي نفخ فيه نسمته، وترك له ملء الحريّة ليحيا بحسب مشيئته. والله لعظم محبّته للإنسان لا يحدّ له حريّته ولا يقتحمها، بل وضع له منذ البدء الطريق المستقيم السليم وقال له في العهد القديم على لسان نبيّه موسى: "أنظر. إنّي قد جعلت اليوم بين يديك الحياة والخير والموت والشرّ" (تث30: 15).
 
            وأيضًا:  "قد أشهدت عليكم اليوم السماء والأرض بأنّي قد جعلت بين أيديكم الحياة والموت والبركة واللعنة فاختر الحياة لكي تحيا أنت وذريّتك بأنّ تحبّ الرب إلهك وتطيع أمره وتتشبّث به لأنّ به حياتك وطول أيّامك".(تث30 : 19- 20). و "وإذا أطعت أمر الرب إلهك حافظًا جميع وصاياه وعملت بها تحلّ عليك جميع البركات... مبارك أنت في المدينة... وثمر أرضك وثمر بهائمك... ويبارك معجنك ومباركًا في دخولك وخروجك ... ويفتح الرب لك السماء كنز خيره فيؤتي أرضك مطرها في أوانه ويبارك جميع عمل يديك... إمّأ أن لم تطع كلام الرب إلهك حافظًا وصاياه ولم تعمل بها تأتي عليك اللعنات كلّها وتكون ملعونًا في المدينة والحقل... ويرسل عليك الإضطراب والزجر في كلّ ما تمتدّ إليه يدك لتعمل حتّى يشتتك ويبيدك سريعًا لأجل سوء أعمالك التي بها تركتني. يلتصق بك الوباء حتّى يبيدك عن الأرض يضربك بالسلّ والحمّى والبرداء والالتهاب والجفاف واللفح والزبول وتتبعك حتّى تفنيك وتكون سماؤك التي فوق رأسك نحاسًا والأرض التي تحتك حديدًا... يجعل الرب ضرباتك وضربات نسلك عجيبة ضربات عظيمة راسخة وأمراضًا رديئة ثابتة. (تثنية 28: 59)
 
        إذن لقد ابتعد الإنسان بإرادته عن خالقه، واختار الموت والشرّ والفساد، ولم يسمع لوصايا الله، بل أخذ يعيش بحسب ما تمليه عليه إرادته دون أن يميّز فيها بين ما هو صالحٌ له أو غير صالح. والإنسان هو الذي خرّب نظام الخليقة، وجعل الأرض تئنّ وتثور، ومن جرّاء ذلك كانت الكوارث الطبيعيّة والزلازل والحرائق المفتعلة.
 
       فالإنسان صحّر الغابات، وأحدث شقًّا في طبقة الأوزون التي أوجدها الله لحماية الأرض، وكلّ ذلك بسبب جشعه وكبريائه وحبّه للمال والسيطرة، وبسبب إخراجه كميّات كبيرة من ثاني أوكسيد الكربون.
 
       ولعلّ آثار قنبلتي هيروشيما وناغازاكي التي أثبت العلماء أنّها تؤثّر حتّى على بعد 3000 كم تذكّرنا بكلّ الأسلحة المدمّرة التي استعملها الإنسان منذ الحرب العالميّة الثانية حتّى الآن. وأيضًا القنابل والأسلحة التي استعملت في حرب الخليج الأوّلى والثانية، واليورانيوم المنضّب الذي أحرق تربة العراق الخصبة وجعلها عقيمة لسنوات طويلة.
 
      كلّ هذا تسبّب به الإنسان فالله خلق كلّ شيء حسنًا جدًّا. وإن أتينا إلى حقل الأمراض الفتّاكة التي تسبّب بها الإنسان نجدها كثيرة، فمثلًا وبسبب بهيميّة الرحّالة الأميركيّين وممارستهم الجنس مع الحيوانات نقلوا مرض  الإيدز إلى البشريّة، الذي يحصد اليوم الآلاف من الضحايا.
 
        وهنا لا بدّ أن نشير إلى الآية القائلة: " من أين الحروب والخصومات بينكم أليست من لذّاتكم المحاربة في أعضائكم"(يع 4: 1).
 
        كلّ شيء يحدث، إذاً، بسبب بعدنا عن مصدر الحياة والخير، أي عن الخالق الذي وعدنا بسلامٍ يختلف عن السلام الذي يعطينا إيّاه العالم. وكلّ ما تفوّه به السيّد منذ ألفي عام يتمّ الآن: "ستكون أوبئة وكوارث ومجاعات ..."(متى24: 7).
 
         لا ريب أنّ مسيحنا يتألّم من كلّ ما يحدث، لأنّه هو القائل: "كلّ ما فعلتم بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه" (متى 25: 40) نحن بإيماننا نغلب الفساد، وإيماننا هو فرصة لنا لنساعد كلّ مقهور ومتألّم.
 
        فالإنسان الذي ابتعد على الله وتجبّر على تدبيره تدعوه هذه الكوارث إلى التوبة. نعم، فالتوبة هي فرصته الذهبيّة ليعود بها إلى ربّه، وربُّه هو ثوّاب ورحيم.
 
        إلهنا هو الإله المتجسّد الذي ظهر على الأرض كإنسان وتألّم كمحبّ للبشر، ولذلك فهو قادرٌ على أن يعين المتألّمين. لم يتحمّل أحد كإلهنا الظلم والإهانات والألم. . . ولذا فهو يشعر مع كلّ مظلوم ومتضايق، ويئنّ من كلّ جَورٍ وضيقٍ يأتي على الإنسان، فهو القائل " لأنّ من يمسّكم يمسّ حدقة عينه"(زك 2: 8)
 
        ولكنّه رغم ذلك لا يقتحم حريّة هذا الإنسان لأجل محبّته الكبرى التي أحبَّه بها. 
 
        أخي الطيّب، طالما أنّ إلهنا خالقٌ وقادر، فنحن نسألك مع داوود النبي المرنّم في مزاميره: "أغارس الأذن لا يسمع؟ أم صانع العين لا يبصر؟" (مز93 : 9).وبما أنّ هذا الإله الخالق والقادر يرى ويسمع ويتألّم مع كلّ متألّم فهو يمنح السلام لهذا المتألّم شرط أن يطبّق الوصايا، التي تتيح له الإهتمام بالآخرين، أيّ المحبّة وبهذه المحبّة يفوز بالحياة الأبديّة ليعيش سرمدًا في فردوس النعيم مع إله المحبّة.
 
        لا شكّ إنّ الرب الإله مسيحنا الذي خلق العالم برمّته بلحظة هو قادر على أن يبيد هذا الكون بلحظة، أيضًا، لو شاء ذلك، ولكنّ محبّته كإله تمنع عليه ذلك .
 
        كلمة أخيرة نذكّر بها أخانا الطيّب بأنّ التوبة والرجوع إلى الله هما الحلّ الأساس للتغلّب على الشرّ والفساد، وعند ذاك سنعيش البركات على الأرض. فهيّا نعود  إلى إلهنا لأنّه ينتظرنا بفارغ الصبر.
 
                                       
 
راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع – دده لبنان

 السؤال للتذكير


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies