سيدنا في سيناء عيد القديسة كاترين شرقي

2013-12-11

 
بدعوة من صاحب السيادة دميانوس رئيس أساقفة سيناء ورايثو قام راعي الأبرشية بزيارة خاصة الى دير القديسة كاترين في طور سيناء حيث شارك في احتفالات الدير بمناسبة عيد القديسة كاترين حافظة سيناء. 

زيارة سيادة راعينا الجليل إلى جبل (طور) سيناء
 
رحلنا بعد ان علّقنا مسؤوليات هذه الرعية والأرض على ربّ قدير انتدبنا أن نخدم شعباً طيباً، جذوره مستقيمة المجد والرأي وجدناها ممتدّة حتى إلى الصحراء القاحلة التي نقصدها حاملين اليها ممّا رعائياً نضعه أمام آباء سينائيّن، حكمتهم وقوتهم تأتيهم من الثالوث العليّ من وطئت قدماه قُمّة جبلهم المقدّس. 
 
وترانا نصل مِصر ولا أخفي عليكم أني انتظرت ان أرى حضارة فرعونية من أهرامٍ وغيرها كتب عنها التاريخ وقصدها الكثيرون، إلا أن الإرادة الإلهية وجهتنا مباشرةً إلى صحراء سيناء(مساحتها=  كلم60.000) بمعية مطران: شيخ جليل تميّز بنقاوة قلب وذكاءٍ رهيب Kir Damixios، توغلنا في أعماقها، فيسيطر عليك شعورٌ بالضيق، صحراءَ قاحلة لا تنتهي، وإن انتهت في البعيد البعيد ببعض الجبال الصخرية الرملية فهذا يعطي نظرك أن يشاهد كُل شيءٍ ممتدٍ قد التصق بالسماء ليصبح كل ما هو أمامك كقطعةٍ واحدة شاحبة اللون كوجوه النسّاك وفوق هذا الإمتداد لا من معزّي سوى روح الله الذي يُرفرف فوق سطحها. 
 
وبعدَ ساعات من المنظر المتكرّر توقفنا في صعيدٍ لنأخذ قسطاً من الراحة وبعض الغذاء الجسدي لنصادف هناك بعض الوجوه الصعيدية السمراء اللون الذين تحلّو بالطيبة والمحبة وإذ تواضعهم المتناهي ينعكس في وجه رئيس أساقفة سيناء فيستجلس بينهم وكأنه بين رهبانه يخدمونه بفرح وقد بدا عليهم الفقر الكبير، فتشفق عليهم بدل ان تتعزّى بهم ليبقى لنا المعزّي الوحيد روح الله النازلة على تلك البقعة من الأرض والممتدّة فوق رؤوس إخوةٍ لك في البشرية ارتاحت روح الله لمحبتهم وفقرهم وتواضعهم.
 
محطة اخرى أتتْ مع مغيب الشمس في دير القديس موسى الفرّاني حيث ينسك هناك ثلاث راهبات في عمت الصحراء قدّمنا لنا محبةً متفانية وكأنهن يعرفوننا منذ سنين طوال وخصّونا بحفاوة الإستقبال إذ نحن نرافق أباهم الروحي والمؤسس المطران (Damianos)، طلبهنّ وسؤالهنّ الوحيد لنا هو أن يخبرهم سيادة راعينا أفرام شيئاً عن الشيخ باييسيوس المتقدّس الذي نسك فيما مضى بقربهنّ في جبل سيناء لمدة سنتين ونصف بعد ان علموا أن راعينا كان على معرفةٍ به. وتابعنا المسير في صحراء جرداء تضيق رويداً رويداً بين جبالٍ شاهقة تتألف من صخور ضخمةٍ متكدّسة  فترى وتقرأ أن هناك حضارة عظيمة لم تنسجها أيدي بشرية، جبالٌ صلبة شامخة تذكرك بعدالة الله، يفصل فيما بينها رملٌ طريٌ يلين تحت قدميك لينتابك الشعور والتأمّل برحمة الله الواسعة وبعدها تصل إلى هدفك إلى دير عظيم دير القديسة الشهيدة كاترينا، منهك القوى بعد ترحال دام حوالي التسع ساعات لنرتاح هناك ليلاً من عناء الرحلة في أجواء من الصلاة الديرية، والدير يقع على ارتفاع 1630 متراً من البحر. وفي الصباح بعد الخدمة الليتورجيا تخرج من الكنيسة وقد تغذّيت نفساً وجسداً، فترى انك داخل سورَ ديرٍ تلاصق بطرفية: من جهة بامتداد الجبل المقدّس "جبل النبي موسى" المرتفع 2200متراً، ومن الجهة الأُخرى بامتداد جبلٍ آخر يبلغ 2700 متراً حيث وجد الآباء السينائيون على قمته بعد حوالي أربعة قرون رفات القديسة العظيمة كاترينا عروس المسيح إذ نقلها الملائكة إلى هناك بعد استشهادها في القرن الثالث. هذا الدير الذي بناه يوستينيانوس في القرن السادس لا بل هذه الإمبراطورية الروحية الممتدّة والمتغلغلة بفروعها وقلاليها ومناسكها في داخل الصحراء الجنوبية لسيناء ترى أمامه وانت تنظر شمالاً وادياً رمليّاً فسيحاً ومنبسطاً ألا وهو  "وادي الراحة" حيث انتظر العبرانيون نبيّهم موسى ليصعد قمة الجبل ويعود لهم بلوح الوصايا.
 
عيد الدير ذكرى استشهاد عروس المسيح الكلية الحكمة كان نهار الأحد في (8 كانون الأول /غربي) ترأس راعينا الجليل صلاة الغروب حيث بدأ الإحتفال ليكلّل في اليوم التالي بالسحر والقداس الإلهي اللذين استمرا من الخامسة صباحاً إلى الثانية عشرة ظهراً فشاركنا رئيس الدير (المطران) ورهبانه هذه الخدمة البهجة، لا بل شاركهم حضور جمعٍ غفير من المؤمنين الذين قدموا من كل صوب من القاهرة واليونان وروسيّا.. وهذا هو واقعٌ الأعياد.
 
أما العجيب والغريب المذهل هو أن تحتفل معك قبائل الصحراء بفروعها وتشاركك هذا الفرح الروحي وكأن القديسة هي لهم، فهمّ حرّاس الدير وهم بوابُوه وخدّامه، فتراهم يضيئون الشموع وهذا الإنصهار الحاصل وربما روحيّاً بالخفية، حيث أنك تخرج من قدّاس العيد وكالعادة تتوجّه إلى بهو الضيافة والتهنئة فتراه قد إمتلأ بسبعة عشر شيخاً من قبائل الصحراء يتوسطهم فقط رئيس الدير (Damianos) أما باقي الرهبان فيتممون خدمة الضيافة، هذا كُله لم نرَ له تفسيراً الاّ عندما دُعينا في اليوم التالي للعيد لحضور مهرجان: "مهرجان تنشط السياحة بمناسبة اعياد القديسة كاترين" فجلسَ صاحبا السيادة بجانب وزير الثقافة والمحافظ والشيوخ الذين زاروا الدير والكنيسة قل الإنطلاق إلى المهرجان الذي حصل تحت خيمة في بادية مدينة سانت كاترينا (نسمة 4500) هذه المدينة المستحدثة والتي اضيفت منذ سبع سنوات على جغرافية المدن المصرية وكانها رعيّة الدير. ويا له من عجب أنهم يَرعون خرافاً أُخرى متقبلة لهم لا بل متقبّلة لمحبةٍ بشرية لها مُستمدّة من رحمة ومحبة ربّ الأرباب وسيّد الملائكة الذي تكلّم مع موسى النبيّ على قمّة جبل مدينتهم لا بل عبرَ بأقدامه الإلهية امامه فتبارك الجبل من قمته إلى سفحه إلى المدينة الجديدة وكل سيناء، هذه المحبة الإلهية للهيولية ترفعُ دوماً، وقد رفعت بواسطة الآباء أهلَ الصعيد- فمسيرتها مستمرّة منذ القديم البعيد حوالي سبعين قديساً سينائياً وأكثر يذكر: "كتاب شيوخ سيناء" ولا يسمح لي الورق الا أن أذكر منهم: يوحنّا السلّمي، نيلوس واسيخيوس كلّهم غذّتهم المحبة العُلوية. واليوم رئيس الدير مع رهبانه يتشفعون بهم متخذين المحبة وعدم الإدانة سلاحاً من اسلحة الجهاد المقدّس لحياتههم النسكية الصحراوية نجحا بهما مع البدو فكم بالحريّ مع الأرثوذكسين القادمين للسجود في الدير الذي كان لنا البركة الكبيرة أيضًا ان نخدم فيه على مذبح كنيسة العلّيقة الملتهبة والغير محترقة، فيكون لوالدة الإله حضور بشكل او بآخر في جميع مزارتنا المقدسة التي بدون حنانها لا نكتسب رحمةً، لكثرة خطايانا، فبشفاعاتها وشفاعة نبيك موسى والقديسين السينائين الذين أهلنا أن نستنشِق في آخر يوم من رحلتنا رائحة طيبهم الفريد، اللهمّ احفظ أبرشيتنا والمسيحيين الأرثوذكسيين في كلّ مكان آمين.
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies