ذكرى الأخ الدكتور كوستي بندلي

2014-03-03

أقامت حركة الشبيبة الارثوذكسية احتفال تكريم للمربي الراحل الدكتور كوستي بندلي على مسرح مجمع مار الياس التربوي في الميناء، برعاية متروبوليت طرابلس وتوابعهما للروم الارثوذكس المطران افرام كرياكوس وحضوره، وحضور وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس والنائب نضال طعمة والمطران جورج خضر وحشد من الفاعليات التربوية والثقافية ومشاركين.
 
بعد النشيد الوطني وكلمة للمربيّة ليليان قطرميز بركات، ألقى المربي شفيق حيد كلمة باسم الحركة اعتبر فيها ان "الراحل كان علما تربويا وثمرة النهضة الدينية التي اتبعتها الحركة منذ تاسيسها وكان يجهد في زرع السلام في النفوس مرتكزا على العدل والايمان".
 
من جهته، ألقى نائب رئيس المجلس الدستوري القاضي طارق زيادة كلمة كاحد من طلابه قال فيها: "كان الراحل يمثل المسيحية الحقة بتواضعه ومحبته وكان متعمقا في العلوم متمسكا بالطيبة وحب الاخر دون النظر الى دين او عرق او فئة".
 
اما الأب مخائيل الدبس فألقى كلمة رعية الميناء اعتبر فيها ان "الراحل كان شجرة رحبة امتدت فروعها الى محيطه لتنبت تواضعا ومحبة ورسالة كهنوتية وكان يسخر العقل والقلب في خدمة الناس".
 
بدوره ألقى الدكتور نقولا لوقا كلمة باسم طلاب الراحل رأى فيها ان "المربي الراحل بذل نفسه في سبيل الانسان وتحريره من القيود"، داعيا الى "الابتكار بما يخدم مصلحة المجتمع والاسرة".
 

وقد عرضت في مدخل القاعة نسخ عن كتب الدكتور كوستي ، ووضع سجل ذهبي لمن رغب بالتعبير عن مشاركته في الاحتفال .

فليكن ذكره مؤبّداً .آمين


> أنقروا هنا لمشاهدة الصور على صفحة الأخ المهندس جورج ساسين

 

كلمة معالي وزير الشؤون الإجتماعية رشيد درباس المحترم
 

درباس في احتفال تكريمي للراحل كوستي بندلي: شارك الصديقين في صفاتهم فارتقى إلى مرتبة القداسة
 
درباس
 
وكانت كلمة لوزير الشؤون الاجتماعية النقيب رشيد درباس قال فيها: "في إحدى حصص علم النفس، أخرج ورقة بيضاء، ولطخ نصفها بالحبر عشوائيا، ثم طواها فانطبع على نصفها الثاني الشكل الذي اتخذه مسيل الحبر. ثم راح يعرضها بحالتها الجديدة على الطلاب، ويسألهم عما توحي إليهم، حتى إذا وصل إلي، سألني بصوته الودود:Qu'est ce que vous inspire cette figure? فأجبته: Deux formes symetriques فامتعض .. وقلما كان يمتعض .. وعلق، بتهذيب شديد : Mais c'est une vue superfcielle".
 
أضاف: "أحسست يومتذاك بوخز الاهانة. لكنني، على مر العمر، اكتشفت أن إحساسي كان خادعا، وأن ذلك الوخز لم يكن سوى وخز اللقاح ضد وباء التسرع والعفوية، والنظر إلى الامور من غير ترو وإنعام نظر.. ومذاك، وطوال أكثر من نصف قرن، ما هممت يوما بإبداء رأي أو الإقدام على أمر، إلا شكني ذلك الشعور القديم، فكأنه إبرة الطبيب، أو الكف الممسكة بالزمام، تلجم اندفاعي، وتروض مزاجي الناري، أو انه الصوت العميق الخارج من غور الذاكرة عند كل منعطف، القائل بهمس حازم : إياك والتسرع .. إياك والوقوع في حبائل ظواهر الأشياء. ذلك هو كوستي بندلي. ابن اسكندر بندلي، قيدوم إخوة نذروا أنفسهم للمسيح المشرق على وجوه الفقراء. وربيب عائلة يدنيها ثمرها من الناس، ومضافة الأخلاق المنزهة عن الغرض والعرض، ورفوف المكتبات ذات الدرر الفريدة، ونهر يهب الأخضر دون منة، ويخضور يملأ الرئات بالإيمان، وسراج منير ينسرب إلى العقول بأيسر مما قذف الله في صدر الإمام، ولسان العرب كما ابن منظور، ورهافة الأدب كفيكتور هيغو، وصدقة جارية أسلست خيرها سحابة سبعين سنة خلت، ودام خيرها من غير انقطاع لموت أو مرض، ذلك أن عطر الياسمين يبقى حضورا في الغياب كما يقول الشاعر، والأستاذ كوستي يبقى بارقا خلف نقاب وضباب".
 
وتابع: "ما رأيكم بأولاد لم يبلغوا العشرين، تأخذهم "الليبيدوو" وهم يسمعون بها لأول مرة على لسان أستاذهم المحتشم، يشرحها بلا تورية، ويعرض عليهم بنزاهة علمية مبسطة جوهر فكر سيجموند فرويد في علم النفس... هل لكم أن تتخيلوا، صبايا وشبانا يعاقرون المراهقة وتعاقرهم، في صف واحد، أمام أستاذهم الرصين الرزين، وهو يشرح لهم كيف يرى ذلك العالم الشهير إلى الجنس كمحور التطور النفسي عند الانسان مذ هو نطفة في رحم، حتى مصيره جثة في لحد؟ هل لكم أن تعودوا معي إلى ذلك الوقت الذي كان يفسر فيه شغف الطفل بامتصاص إبهامه، من غير أن تخرج من أي منا همسة ذات مغزى أو تعبير خبيث أو نبسة شاردة؟ ذلكم هو العالم الجليل الذي يروض جموح تلامذته بالعلم لا بالقمع، وبالبشاشة لا بالجهامة، ثم يتركهم بعد أن تطمئن نفسه إلى أنه فتح في داخل كل منهم نوافذ للتأمل والبحث عن الذات والتفسير الصائب للمشاعر التي تعتريهم".
 
وقال درباس: "أكاد أيها الراحل اللطيف أنزلق الى ما هو خارج النطاق، إذ أجد نفسي مقدما أوراقي هوية وطباعا، ونفسا بما كسبت، لهذه النخبة الراقية؛ فيما المناسبة مناسبتك. ولكن هل أنا إلا من تلك الحقبة المضيئة التي ساهمت في كتابتها مع المثلث الرحمات أخيك عالم الفيزياء الذي سبقك إلى الماوراء، ومع رسل لن أذكرهم، لأنهم غنيون عن التنويه، إذ كل تلامذتهم المنتشرين علامات تنوه، وإشارات تدل ، وقلوب تحفظ لكم جميعا ما تفانيتم في تحفيظهم إياه".
 
أضاف: "أبلغ الحديث عن الآخر حديث المرء عن نفسه المستولدة من ذلك الآخر... ولهذا أعود بكم ثانية إلي. فلقد ورد في امتحان الفلسفة سؤال عن الأحلام. فجرني القلم إلى شرح أحلام اليقظة، واستغرق ذلك قسما كبيرا من الجواب. وبعد الخروج تداول الطلاب في ما كتبوه، فأصابني إحباط هائل، إذ أجمع الزملاء على أنني خرجت عن الموضوع. وكذلك فعل بعض الأساتذة.. وفي المساء رآني مكتئبا بائسا، فسألني عما بي، فأشرت إلى خروجي عن الموضوع، فانتفض وسأل: "من قال لك هذا".. قلت له: "الأستاذ فلان"، فقال "تشرفنا".. ثم أضفت: "والأب فلان"، فقال "الله يسامحه"،ثم أردف.. "يا رشيد، أحلام اليقظة هي سر تطور الإنسانية، وسر نجاحك أيضا في شهادة الفلسفة". وما زلت أذكر أيضا درسه عن الكلمات، وقد تلبسني ما شرحه ولم يزل.. إذ لفتنا إلى أن الكلمات وعاء الفكر لا أصله، والجملة وسيلتها لا غايتها، وعلى هذا فلا مجال للحديث عن بلاغة القول إن لم تكن البلاغة في الرأي، وختم: لا يوجد خطاب غامض أو خطاب واضح.. بل أفكار غامضة أو أفكار واضحة. ولقد مارست الكتابة والمحاماة من هذا المنظور، لكنني الآن أضيف أنني أستشعر في نفسي بلاغة استثنائية، لأن عرفاني بجميله بالغ الوضوح".
 
وتابع: "أيتها النفس التي تحار فيها العقول، هاك كوستي ينضو عنك نقابك ويفشي أسرارك ويقول: إنك بنت الجسد وحياته في آن. فليس الأنسان حاصل الجمع بين الروح والجسد، لكن C'est une âme incarnée dans le corps C' est un corps animé par une âme. ثم يقدمك أيتها النفس ضيفة عزيزة للمتبصرين، ولجا غامضا يغوص فيه المنجمون والمبصرون. رحل قديس من الميناء. وودع هذا الثغر نسيمه العليل. لكن الهواء الساقط عن ذروة الشراع، ما زال يحمل ترجيع النواقيس وهتاف المآذن، وصلوات البحارة الفقراء، وانحناءة الرحيل أمام بقائه الباسق".
 
وقال: "كوستي بندلي أشبه بالبحر الذي قربنا. تخبط منه الموجة على الصخر فتبدو كأنما انكسرت وضاعت، فإذا هي، إلى غير انقطاع، مقيمة في عبابها الزاخر. وروحه التي تنصلت بوداعة من هيكل الخلايا، تسربت بكثافة إلى هيكل الذاكرة، ولعلها حيث استقرت تلقي على تلامذة آخرين دروسا أخرى.. عاش في الظل بملء ارادته، ومات في الظل وفقا لوصيته، وشارك الصديقين في صفاتهم. فارتقى إلى مرتبة القداسة. وإذا كان القديس يطوب بما له من مكرمات، فحسب كوستي مكرمته في تثقيف النفوس قبل العقول وزرع الأيمان كبذار موصل إلى سدرة المنتهى، المفضية الى رؤية الوجه النوراني".
 
وختم درباس: "في حديث عن الرسول العربي الكريم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". فهل تستطيع يا معلمي أن تحصي أولادك الصالحين عددا. السر أن تحيا كمن لست يموت كالشجر المعمر الصموت".
 
* ثم ألقى المطران جورج خضر كلمة اعتبر فيها ان "المربي كوستي بندلي كان رمزا تربويا وكان علما من اعلام النهضة الفكرية في مجتمعه وكان يرفض التعصب ويدعو للتفاني في سبيل نهضة مجتمعه".
 
* أخيرا ألقى كرياكوس كلمة شكر فيها "كل من ساهم في إحياء ذكرى هذا الرجل الذي امضى حياته متفانيا في سبيل بناء الانسان بكل تواضع وأدب وتدين، وكان رجلا محبا للعلم يمد يده للجميع من اجل بناء الانسان وحريته وتطوره". 
 
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies