مقابلة مع سيدنا بولس

2014-07-18

 
لمحة تاريخية:
لمحة تاريخية عامة عن البطريركيات الأرثوذكسية وانتشار اللغة اليونانية، خاصة في فترة ما قبل الانشقاق الكبير، وظهور الحاجة فيما بعد لترجمة المقاطع الليتورجية، ولمحة عن بطريركية أنطاكية وتوزعها الجغرافي في الوطن وبلاد الانتشار.

 Press Here to read the interview in Greek
أبرشية حلب:
المدينة كان اسمها اليوناني القديم فيريا، وأعطيت في الحقبات اللاحقة اسم حلب. تاريخياً، كانت فيريا طريقاً تمر منه الحضارات المختلفة، حيث أسسوا العديد من المنشآت والأبنية الحضارية. وهي الآن فسيفساء دينية وحضارية وثقافية، حيث تحوي تنوع ديني مسيحي كبير، كما سميت منذ فترة عاصمة للثقافة الإسلامية. وهذا ما يحمّلنا في الأبرشية مسؤولية كبيرة في الشهادة لإيماننا ولروح كنيستنا الأرثوذكسية، أمام الحضور المسيحي الكبير والمتنوع من جهة، وأمام أخوتنا المسلمين من جهة أخرى. يسألنا الناس من أنتم؟ ماذا يعني أرثوذكس؟ والتكلم عن الأرثوذكسية ليس بالأمر السهل طبعاً، إن كنت ستعرّف بشكل صحيح عن هذا الإيمان، ومن هنا يأتي وجود صعوبات ومسؤوليات حقيقة لدينا في حلب.
 
يخدم في هذه الأبرشية حالياً حوالي عشرون كاهناً. يتبع لهذه الأبرشية بضع مدن في سوريا ولواء الاسكندرون الواقع حالياً في تركيا. زار هذه المدينة المثلثا الرحمة قداسة بطريرك القسطنطينية أثيناغوراس، و غبطة رئيس أساقفة أثينا خريستوذولوس، كما زارها غبطة رئيس أساقفة أثينا الحالي إيرونيموس. نحن قلة كعدد ولكن الوضع في هذه المدينة يتطلب عملاً كثيراً والسير بحكمة للشهادة أمام الآخرين.
 
الشرق الأوسط وتعايش الأديان:
الشرق الأوسط هو مهد الديانات الكبرى الثلاث في العالم، اليهودية والمسيحية والإسلام. بغض النظر عما نؤمن به نحن، لكنني أستطيع القول إن الإنسان في الشرق الأوسط عامةً تربى أن يكون متديناً جداً. ولكن السؤال المطروح الآن: هل تعني الديانة التعصب والعداوة؟ هل تستطيع الديانات التعايش فيما بينها رغم الاختلافات؟ نحن المسيحيين نؤمن من خلال ثقافة ومبادئ عقيدتنا أن حياتنا الأرضية ليست سوى تهيئة لملكوت السماوات، وهكذا فنحن نحاول بشكل عام أن ننشر هذه الروح، أن الديانة تعني شيئاً واحداً ألا وهو مجموعة من الأطر التي تجعل علاقاتك حسنة مع الآخرين، بمعنى آخر وبكلمة واحدة الجوهر هو: المحبة، لأن الله محبة.
 
وكل من لا يستطيع تقديم المحبة فليصلح إيمانه واعتقاده، لأن ديانته توصيه بالمحبة، فكل الديانات تتكلم عن المحبة. ولكن لنقل الحقيقة إن هناك بعض وجهات النظر المتطرفة التي تعلّم أن ديانة ما هي فوق كل الديانات ومؤمنيها أفضل من باقي البشر، أو حتى هناك تطرف أقوى وذلك عندما تعلّم أن الآخرين هم ملحدون أو كفار أو يستحقون الموت. هذه النظريات بالفعل تشوه أي ديانة.
الآن ومن خلال الحوار اليومي بين الديانات في الشرق الأوسط، وخاصة مع الإسلام، يأتي الدور المهم للمسيحيين أي أن نستطيع الحوار والعيش معهم وإعطاء وجهات النظر المتطرفة مفاهيم مختلفة بالتفسير الصحيح. هناك أربعة أو خمسة مراكز مسيحية في جامعات، كالبلمند مثلاً، والتي تُعنى بتدريس الإسلام. نعلّم هناك عن أهمية الحوار وعن طبيعة الإسلام كدين، وفلسفة الديانات وهذا يؤدي لنشوء جو منفتح، أي أن تتعلم أن تقبل فلسفة الأديان الأخرى والآخر نفسه بغض النظر عن إيمانه.
 
الآخر هو خليقة الله لذا عليك أن تحترمه، أما ماذا يؤمن فهذا موضوع مختلف. ولن ننسى أن الاختلاف هو غنى، تعطيه مما عندك ويعطيك مما عنده وتكون حراً أن تؤمن بما تريد."الدين لله والوطن للجميع". لا نستطيع أن نقيم دولة دينية، الدولة الدينية مفهوم خاطئ لأن الله ليس ملك أرضي والديانة هي إيمان ما وراء الطبيعة. هذه التيارات موجودة في الشرق الأوسط وشخصياً أعتقد أن ما يؤثر فيها هو تكوين الشرق الأوسط من حيث أنه مهد وأرض ولادة هذه الديانات وهذا ماله انعكاسات في الخارج.
 
نحن نحاول في الشرق الأوسط من خلال حياتنا اليومية أن نشجع الإسلام كديانة قادرة على التعرف على ديانات أخرى، كديانة تحترم الإنسان الآخر ومعتقداته مادام هذا الآخر يتعامل ويتحاور معك كل يوم بمحبة. ولهذا نؤمن نحن مسيحيي الشرق الأوسط بأن دورنا ليس فقط أن نعيش نحن بطريقة جيدة، إنما لدينا دور أساسي ومهم جداً. إذ طالما نعرف اللغة العربية، والتي باتت لغتنا الأم، وكذا نعرف القرآن الكريم عن قرب هذا من جهة، ومن جهة أخرى نعيش الأرثوذكسية المسيحية، لذا فنحن نستطيع أن نكون صلة وصل وأن يجري الحوار هناك بشكل مباشر. وأعتقد أن دورنا في هذه الأرض هو خلق جو من الحرية و جو منفتح من الحوار مع الإسلام والذي بدوره ممكن أن ينعكس على مناطق أخرى في العالم.
 
معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي – جامعة البلمند:
 
لدي انطباعان بخصوص معهد البلمند الذي أغنى الفكر اللاهوتي وأغنى حياة طلابه.
الانطباع الأول: أن الطلاب يعيشون في البلمند وكأنهم في دير. وطبعاً لن أقول أنهم عاشوا حياة آثوسية، وذلك بسبب ضيق وقتهم، ولكنهم رتلوا وصلّوا معاً السحر والغروب يومياً. لنقل إنهم عاشوا كمبتدئين في دير، اتّصفت علاقاتهم بالمحبة والاهتمام بالآخر. فهم يعيشون مع بعضهم لخمس أو ست سنوات. وأستطيع القول أن أغلب الآباء والأساتذة الذين علّموا في كلية اللاهوت اتّصفوا بالتقوى والإيمان العميق وهذا من الأمور التي يتم التركيز عليها في كلية اللاهوت. فقبل كل شيء هذا مكان لإعداد الكهنة.
 
في الشرق الأوسط ليس لدينا مدارس لإعداد أساتذة لمادة الديانة، وبالتالي فالراغبون بالانضمام لكلية اللاهوت هم فعلاً ممن يتوقون أن يصبحوا كهنة أو رهبان، وبذلك حافظنا على جو روحي ديري على حسب استطاعتنا. وهذه الحياة الداخلية للطلاب تنمّي العلاقات الجيدة بينهم، خاصة وأن الغالبية جاؤوا من مناطق مختلفة أما الآن فقد أصبحوا كأخوة في كنيسة واحدة رغم وجودهم في أماكن مختلفة، في أميركا، أستراليا، أوروبا، ... يتبادلون الرسائل والمحبة وتجمعهم علاقات طيبة. كلية اللاهوت في البلمند تتسم بالجو العائلي وهذا ما أغنى المدرسة كثيراً.
 
الانطباع الثاني: أفاد طلابنا كثيراً تطبيق برنامج اللغة اليونانية. مدة دراسة اللاهوت عادة في البلمند حوالي الأربع سنوات، لكن نحن وضعنا سنة إضافية تحضيرية كي يتعلم الطلاب خلالها اللغة اليونانية والإنكليزية، التيبيكون، الموسيقا البيزنطية. أي بمعنى آخر مبادئ أساسية للدخول في الكلية لاحقاً. وخلال هذه السنة الأولى كان للغة اليونانية حصة كبيرة من حيث عدد الساعات. حيث أنه يصبح بمقدور أي طالب بعد مرور سنة دراسية أن يقرأ اليونانية وأن يتكلمها، والأهم يصبح بإمكانه متابعة دروس لاهوت مع أساتذة يونان مثلاً. وهكذا جاء العديد من طلابنا إلى اليونان بهدف تحصيل دراسات عليا، وبالنسبة لهم لم يتطلب الأمر خسارة سنة في اليونان لتعلم اللغة، إنما تابعوا مباشرة دراساتهم دون صعوبة.
 
هذا البرنامج قدّم الكثير للفكر اللاهوتي وللإكليروس عندنا، لأنه باعتقادي أن أي إكليريكي هو بحاجة لمكتبة أرثوذكسية، طبعاً لدينا باللغة العربية الكثير ولكن للمكتبة اليونانية طابع نادر ومميز، ألا وهو أنها تحوي الكثير من الكتب بمضمون روحي وليس فقط أكاديمي. لأن العلم شيء مفيد ولكنه دون روح يصبح متعب. والإكليريكي ليس هو مدرّس لمادة الديانة إنما هو أب قبل كل شيء، عليه أن يحمل الروح داخله ليعطيه ويغذي به أولاده، ليس فقط بأفكار وشروحات وإنما أيضا أن ينقل لهم النعمة عندما يتكلم.
 
وأستطيع القول أن الكتابات اليونانية هي الرائدة في هذا المجال وفيها غنى كبير. وأيضاً اللغة اليونانية هي لغة تلامس التقليد، الموسيقا، الرسم ،كتابات آباء الكنيسة. وهذا البرنامج لم يكن سوى الخطوة الأولى للتعريف عن اللغة اليونانية أما الخطوة الأساسية اللاحقة، فهي أن يتم التواصل مع بلد اليونان وجبل آثوس، حيث أنه كان من ضمن منهاج هذا البرنامج زيارتين إلى اليونان حيث أقام الطلاب في أديرة مختلفة في أثينا والبنديلي ومارسوا اللغة اليونانية على أرضها بشكل عملي، وأيضا زاروا جبل آثوس لمدة خمسة عشر يوماً. وقد دُهش الطلاب جداً لما رأوه وتعلموه هناك.
 
فأن تتعلم عن نظريات اللاهوت وتقرأ مثلاً كتابات القديس أنطونيوس الكبير شيء، وأن تعيش ما كنت قد قرأته وأن تراها كتقليد حي وإيمان معاش بشكل قوي هو شيءٌ آخر. وقد أحب الطلاب بشكل عام اليونان كبلد ولكن بشكل خاص الجبل المقدس بأديرته وكنائسه الرائعة، وعاينوا فيه الروح الأرثوذكسية بغنى وتنوع كبير وهذا كان له ثمار وفيرة في كنيستنا الأنطاكية. وأنا شاهدٌ لهذه الخبرة البسيطة التي ذكرتها للتو.
 
الجبل المقدس منارة الحضارة الهلنستية:
 
طبعاً، كلنا نعلم أن الجبل المقدس في بلد اليونان، ولكن في المرة الأولى التي زرت فيها الجبل المقدس تكون لدي انطباع جميل جداً لا بل تعجبت كثيراً عندما رأيت أنه مكان أرثوذكسي أكثر منه يوناني، لأنني وجدت أديرة رومانية و بلغارية و روسية إلخ.. إلى جانب اليونانية. وكل هذا شجع وجود الأجانب الذين تعلموا اليونانية وكانوا على احتكاك مع هذا البلد. فجبل آثوس برأيي منطقة ورثت التقليد الهلينستيَ. لأن الهلينستية وأيضاً الحقبة البيزنطية لم تكن امبراطورية يونانية بالمعنى الضيق للكلمة وإنما كانت امبراطورية حملت في طياتها العديد من التيارات غير اليونانية. فالهلنيستية مفهوم يدل على الحضارة اليونانية أكثر من كونه مجرد إشارة لبلد اليونان بشكل حصري. اليونان أكبر من مجرد بلد، تصبح أكبر عندما ترتبط مع الحضارة اليونانية. عندما تكون دولة أو بلد تكون صغيرة أما عندما تكون حضارة عندها تمتد لكل العالم. بالنسبة لليونانين أعتقد أنها طريقة جيدة للتواصل مع العالم الخارجي ولكن أخص العالم الأرثوذكسي المسيحي ومن ثم البشرية جمعاء. ولهذا فالجبل المقدس يرث هذا التقليد الهلينستي، وهو بالتالي مكان أورثوذكسي قبل أن يكون يوناني أو روسي أو إلخ...
 
عندما نأتي نحن غير اليونانيين إلى هذا المكان ونرى محبة الآباء والرهبان نشعر أننا في ديارنا، وهذا ليس آتياً من محبة الرهبان التي يمكن أن تُقدّم لأي شخص غير مسيحي. إنما نشعر هكذا لأنه لدينا نقاط مشتركة، كالإيمان والأرثوذكسية والتاريخ. أتمنى أن يبقى اليونان بلداً منفتحاً على الآخرين كما كانت حضارته دوماً.


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies