اعادة فتح مدرسة اللاهوت الارثوذكسية في هالكي

2012-07-16

 

 

 

 
موقف تركي لافت
 
دعا رئيس ادارة الشؤون الدينية المسؤول عن المساجد والائمة في تركيا محمت غورميز، وهو اعلى رجل دين مسلم، الى اعادة فتح مدرسة اللاهوت الارثوذكسية في هالكي المقفلة من 40 عاما. وقال عقب لقائه البطريرك المسكوني، في زيارة نادرة له، "انه يحق للناس، ايا تكن هويتهم او دينهم، منح ابنائهم تربية توافق ايمانهم  وتدريب رجال دين على ديانتهم". 
وكان قد تأسس هذا المعهد عام ١٨٤٤م وأمرت السلطات التركية إقفاله عام ١٩٧١م.
 
وفي وقت سابق صرّح برتلماوس الأول بطريرك القسطنطينية المسكوني للروم الأرثوذكس، في مقابلة بثّتها محطة 
(NEWS CBS) الأميركية، قائلاً: "أشعر بأني مصلوب في أرضي وأعامل كمواطن من الدرجة الثانية، وعلى الرغم من كل ذلك لا أريد أن أغادر وطن أجدادي"...
أثار هذا التصريح ضجة عالمية كبيرة، وقد ارتفعت أصوات كثيرة بالاضافة إلى أصوات بعض الأتراك سعياً لإجاد حل لهذه المسألة.
 
ودوافع هذه الصرخة التي أطلقها البطريرك برتلماوس الأول هي أن البطريركية القسطنطينية تعاني مشاكل عديدة سبّبتها وتسبّبها لها السلطات التركية منذ اجتياح العثمانيين لمدينة القسطنطينية التي أصبح اسمها مدينة اسطنبول حتى أيامنا هذه، مروراً بعهد أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة.
 
ويعزي التقليد الكنسي تأسيس كنيسة القسطنطينية إلى القديس أندراوس الذي كان أول مَن دعاه السيد المسيح رسولاً في مصاف الرسل الإثني عشر. إلاّ أن هذه الكنيسة ظهرت فعلياً في أوائل القرن الرابع، أي بعد تأسيس المدينة على يد الأمبراطور قسطنطين الأول. هذا وقد جعل المجمع المسكوني الذي عقد في المدينة عام 381 من أسقفها الأسقف الثاني في الترتيب الكنسي بعد أسقف روما. ومع انعقاد المجمع الخلقيدوني المسكوني الرابع في العام 451 أصبح كرسي القسطنطينية مساوياً لكرسي روما. أما لقب البطريرك المسكوني لرئيس أساقفة القسطنطينية فيعود إلى القرن السادس.
عانت القسطنطينية بعد العز الذي عرفته منذ القرن الرابع وحتى نهاية القرن الحادي عشر انتكاسات كبيرة أهمها سقوطها أولاً بيد الحملة الصليبية الرابعة حيث قُتل بطريركها ودمّرت مبانيها وسبيت نساؤها وحرقت في العام 1206. وما أن تعافت من هذه الإنتكاسة الكبيرة حتى سقطت أمام الأتراك العثمانيين في العام 1453. في العهد العثماني انتقلت البطريركية إلى دير صغير في منطقة الفنار. وما زال هذا الدير مقراً للبطريركية حتى أيامنا هذه. إلاّ أن السلطان العثماني اعتبر البطريرك جيناديوس الثالث رئيس ذمّة الروم الأرثوذكس في كل أنحاء السلطنة وألحقت به مباشرة كل الكنائس الواقعة في السلطنة. مع ذلك، لم ينجُ بطاركة القسطنطينية من تنكيل العثمانيين بهم حيث أُعدم بطريركان على بوابة الفنار، كما لحقت بالأساقفة والكهنة والرهبان في أنحاء الأمبراطورية اضطهادات.
عندما وصل أتاتورك إلى الحكم في تركيا قام بتحرير بلاده من جيوب ما تبقى من سكانها اليونانيين الأصليين وسائر الجنسيات المقيمة هناك، فانخفض عدد السكان الأرثوذكس الأصليين من ثلاثة ملايين إلى ما يناهز الألفين.
إلاّ أن المشكلة الأكبر التي تعاني منها بطريركية القسطنطينية حتى اليوم هي اقفال معهد "هالكي" في العام 1971 على أثر اقفال كل المعاهد الدينية في تركيا. وهو معهد عالٍ للدروس اللاهوتية يقوم بإعداد الكهنة لخدمة الشعب الأرثوذكسي. هذا، وإن القانون التركي يمنع الإستعانة برجال دين من خارج البلاد للعمل في تركيا. وهكذا، راح مجمع الأساقفة يُفرَغ من أحباره بسبب الوفاة من دون انتخاب بدلاء لهم وذلك لعدم توفر الشروط المطلوبة نتيجة اقفال معهد "هالكي" اللاهوتي. من جهة ثانية، فإن معاهدة لوزان تنصّ بصراحة في أحد بنودها على وجوب انتقاء رئيس أساقفة القسطنطينية، أي البطريرك المسكوني، من الأساقفة الأتراك. وهناك من يقول بأن البطريرك المسكوني الحالي قد يكون آخر بطريرك للقسطنطينية إن لم تحل مشكلة معهد "هالكي" اللاهوتي.
من جهة ثانية، يذكر أن الإتحاد الأوروبي قد وضع شروطاً على تركيا تمهيداً لدخولها في الإتحاد الأوروبي. من تلك الشروط التعامل مع الأرمن والأكراد وقد تحققت بعض الإنفراجات في هذا الموضوع. ومن الشروط أيضاً الحريات الدينية ومنها فتح معهد "هالكي" الأرثوذكسي.
أخيراً، إن وضع بطريركية القسطنطينية يكتسب أهمية كبرى على أكثر من صعيد. صحيح أن الأرثوذكس الأتراك عددهم قليل، لكن مسألة وجودهم في تركيا هي مسألة انفتاح تركيا على الديانات الأخرى ومسألة الحريات الدينية. 
وصحيح أن بطريرك القسطنطينية هو البطريرك المسكوني، أي "الأول بين متساوين" وذلك لأن الكنائس الأرثوذكسية في العالم كنائس محلية وليست لها سلطة مركزية فعلية. فسلطة بطريرك القسطنطينية هي سلطة معنوية لا أكثر. إلاّ أن عدد المؤمنين الأرثوذكس التابعين لولايته في تركيا وخاصة في العالم، يبلغ ثلاثة ملايين.
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies