نحن فقراء ونغني كثيرين

2016-04-11

الأرثوذكسيّة استقامة إلهيّة 
”نحن فقراء ونغني كثيرين“ (2 كورنثوس 6/10)
 
ببركة صاحب السيادة أفرام وعناية الأبوين اسحق جريج ونقولا داود، ذهبنا إلى بلاد اليونان يوم الإثنين في 16/11/2015، وهدفنا الوصول إلى الجبل المقدس، الذي ما زالت الرهبنة الأرثوذكسية مستمرة فيه منذ أكثر من ألف سنة. انطلقنا من مطار بيروت ومنه إلى مطارَي أثينا وتسالونيك. بتنا ليلتنا الأولى في فندق متواضع من فنادقها، بعد أن زرنا بعض متاجرها وخاصةً ضريح شفيعها القديس ديمتريوس، وقد تباركنا بالصلاة في كنيسته وبالحصول على طيبه الذي ما زال ينضح من جسده المقدس. 
 
وفي اليوم التالي، سبقنا الصبح لنذهب إلى المرفأ ونستقلّ الباخرة التي تقودنا إلى واحد من الأديرة العشرين التي تتوزّع على أرض الجبل، وهو سيمنوس بترا، أي صخرة القدّيس سمعان، الذي ظهرت عليه العذراء مريم وطلبت إليه أن يبني ديراً على الصخرة الكبيرة وهكذا كان. وصلنا مرفأ الدير في دفني Defni وكانت سيارة الدير بانتظارنا لتقلّ جميع الحجّاج من مختلف الجنسيات.
 
بعد نصف ساعة من الصعود في طريق ترابية متعرّجة، وصلنا الدير، وكان من عناية الله بنا أيضاً، أنّ واحداً من رهبانه وهو الأخ سيرافيم الخوري من بطرّام الكورة، رافقنا في الرحلة البحرية منذ الصباح الباكر. تحدثنا وإيّاه عن كنيستنا الأنطاكية وعن آلامها واستعادة بهائها. قادوا الزائرين جميعاً إلى مضافة الدير وقدّموا لنا فوراً الماء البارد والحلقوم الزكي الطعم والرائحة.
 
أعطونا غرفة واحدة، تحوي ثلاثة أسرّة – وبالمناسبة، الرهبان ينامون على الأرض والخشب – فيها وحولها جميع وسائل الراحة من ماء بارد وساخن وحمّام وكهرباء ومصعد. وقد سررنا بأنّ الدير يولّد طاقته الكهربائية على الماء والهواء والطاقة الشمسية. وفيه مكتبة عامرة بالكتب الحديثة والقديمة والمخطوطات النادرة، وبعضها يرتاح على رفوفٍ من أحدث طراز يقاوم الحريق والغريق. كما أنّ الرهبان يفتّتون الصخور ويحولون الأرض إلى بساتين تنتج أكثر ما يحتاجه الدير من طعام وخضرة وفاكهة. ومن فرادة الدير الصخري أنه يحوي مستوصفاً وعيادة طب أسنان ودار نقاهة. بين رهبانه أطباءٌ ومهندسون وحَمَلة شهاداتٍ عليا في الرياضيات وغيرها. جنسياتهم مختلفة ولغاتهم متعددة تسبّح بحمد الله.
 
بقينا في الدير، كما بقي يونان في بطن الحوت، ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، وكان برنامجنا اليومي كالآتي: صلاة الغروب والسحر والقداس الإلهي من الثالثة صباحاً حتى السابعة والنصف. بعدها طعام وراحة فعودة إلى صلاة الساعات والنوم الكبرى. الخِدمُ كلها مرتلة يتبادلها جوقان لا يتعبان في تسبيح الله بالألحان المختلفة.
 
يوم الخميس، غادرنا الدير بسيارته إلى المرفأ، ومنه بالباص الكبير إلى كارييس Karyes المركز الرئيسي للأديرة. ومنه بالباص أيضاً إلى قلاّية المثلث الرحمات الراهب اللبناني اسحق عطا الله، وقد تابع تلاميذه الخمسة الحياة الرهبانية بها. هنا التقشف على أشدّه: لا كهرباء ولا ماء ساخن ولا حمّامات. هنا، 
 
تذكرت طفولتي في قريتنا مشتى الحلو، يوم حصلت على الشهادة الابتدائية. فالماء لغسيل الوجه من برميل صغير وله حنفية. والمرحاض جورة في الأرض تبعد قليلاً عن البيت. على ضوء الشموع تغدّينا ومن ثمّ صلّينا وفي الثالثة صباحاً، نهضنا لسهرانية حتى السابعة تقريباً. بعدها، تركنا قلاّية الأب اسحق مزوّدين ببركاتها.
 
انحدرنا بالباص إلى مرفأ دافني، وبالباخرة عدنا إلى حيث انطلقنا بحراً من تسالونيك، لنجد تاكسي بانتظارنا ليسير بنا مدة ساعة ويوصلنا إلى دير القدّيس يوحنا المعمدان في بلدة التجلّي. استضافنا الدير في مكان خارجه، وفي الثامنة مساءً، نهضنا إلى سهرانية دامت حتى الثالثة والنصف صباحاً خدمتها جوقة الراهبات ذات الأصوات الملائكية. وعندما التقيناهنّ صباحاً، قلنا لهنّ: أأنتم بشرٌ أو نوعٌ من أجناس الملائكة؟ لقد رفعتمونا إلى السماء الثالثة على الأقل بتراتيلكنّ وصلواتكنّ.
 
بعد أن زوّدتنا الراهبات ببركاتهنّ وغمرننا بمحبّتهنّ إذ سلّمننا سيارة من سيارات الدير يقودها الأب اسحق. 
 
وبذلك، تمكنّا من زيارة ضريح القدّيس باييسيوس في سوروتي والسجود أمامه. لقد أصبح القدّيس باييسيوس أكثر القدّيسين شهرةً في اليونان. ومنذ الصباح، كان العديد من الباصات والسيارات يحمل المؤمنين إلى المزار.
 
في خاتمة هذا الحجّ المبارك إلى الأديرة التي تباركت بصلوات الرهبان والراهبات القدّيسين، تذكّرت الحديث الذي جرى بيننا وبين أحد الرهبان المستنيرين ولما شكونا له حالنا في أنطاكية، إذ قال: الأمر المهم في قياسنا للحياة الكنسيّة وحتى المدنية هو الحرية والمصداقية. وأمام الفقر المدقع الذي وصلت إليه اليونان وكثرة الشحّاذين فيها، تذكرت القدّيس يوحنا الذهبي الفم كيف دعا الرهبان من الجبال كي يوقفوا المجزرة التي حصلت في أنطاكية. وهذا ما دعاني لأقول لإخوتي وسادتي رهبان جبل آثوس وغيره: عليكم أن تنحدروا إلى الساحات وتعلنوا رفضكم للفساد في اليونان أولاً وفي أوروبا والعالم ثانياً.
 
ليس العار أن نكون فقراء في فترة من الزمن بل العار كل العار أن نرزح تحت نير الخطيئة ومفاسدها. ولنتذكر قول معلّمنا القديس بولس الرسول الذي بشّر اليونانيين قديماً: "نحن فقراء ونُغني كثيرين".
الكاتب 
الأب ابراهيم سرّوج


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies