الكرمة - الأحد 20 آب 2017

 
الأحد 20 آب 2017 
العدد 34
الأحد الحادي عشر بعد العنصرة
 اللَّحن الثاني الإيوثينا الحادية عشرة
 
* النبيّ صموئيل،* 21: الرَّسول تدَّاوس، الشُّهداء باسي وأولادها، * 22: الشّهداء أغاثونيكس ورفقته، * 23: وداع عيد الرقاد، الشّهيد
لوبُّس، * 24: الشّهيد في الكهنة أفتيشيس، قزما الإيتوليّ، * 25: عودة جسد برثلماوس الرَّسول، الرَّسول تيطس، * 26: الشّهداء أدريانوس ونتاليا ورفقتهما.
 
"المعرفة تنفخ، لكنّ المحبّة تبني" (١كور ٨: ١)
 
تأتي رسالة اليوم بعد أن كتب الرّسول بولس إلى الكورنثيّين جوابه عن سؤالهم عن الأكل من اللّحم المذبوح للأوثان. وكان فريق من الإخوة يأكل من هذا اللّحم لثقته بذاته النابعة من علمه بأنّ الأوثان صنع أيدي البشر، وأنّ القدرة لله وحده دون سواه. وظنّ هؤلاء أنّ المعرفة تخوّلهم الحرّيّة والسلطان أن يأكلوا، لكنّهم لم ينتبهوا إلى ضمير الإخوة "الضعفاء"، الذين رفضوا تناول ما ذُبح للأوثان.
 
لم يكتفِ الرّسول بولس بإصدار فتوًى تشريعيّة للإخوة، بل أراد أن يعلّمهم كيف يقتنون فكر المسيح الذي اقتدى به هو ذاته في كلّ أمور حياته. فبعد أن شدّد على عدم استعمال أيّ سلطان يشكّل معثرة للإخوة، يتابع الرّسول بولس مناقشته معطيًا مثالاً حيًّا على التعليم الذي كتبه، مثال تصرّفه هو في جميع الكنائس.
 
في الآية السابقة لبَدء رسالة اليوم، يسأل الرّسول بولس الكورنثيّين قائلاً: "أَلَسْتُ أَنَا رَسُولاً؟ أَلَسْتُ أَنَا حُرًّا؟ أَمَا رَأَيْتُ يَسُوعَ الْمَسِيحَ رَبَّنَا؟" (١كور ٩: ١)، وهدفه من هذه الأسئلة هو إظهار مدى السلطان الذي يتمتّع به كرسول المسيح. وفي سؤاله الرابع: "ألستم أنتم عملي في الربّ؟" التفاف على أولئك الإخوة الكذبة الذين يشكّكون برسوليّته المرتكزة على معاينته الربّ يسوع الذي أرسله وعلى يمين الشركة مع الاِثني عشر. فليس لدى الكورنثيّين ما يسوّغ لهم التشكيك برسوليّته لأنّهم هم ثمر عمله الرسوليّ بالربّ. لا بل هم "ختم" رسوليّته، أي الدليل على أصالتها. لذا لا حاجة له للمحاججة معهم حول ذلك، كما يفعل مع الذين يدقّقون معه.
 
أليس لهما سلطان، هو وبرنابا، أن يأكلا ويشربا من طعام الكورنثيّين، "مِن لبنِ الرعيّة" التي تعبا في العناية بها؟ وهذا أمر شرّعه الله في ناموس موسى، كما هو مكتوب: "لا تكمَّ ثورًا دارسًا"، بالاِشارة إلى تقديم الزاد والملبس والمأوى للّذين يعملون ويتعبون. فالله يهتمّ بالإنسان قبل الثيران. لقد تعب الرّسولان وزرعا الروحيّات، فأقلّ الأمر أن يكون لهما سلطان التناول من طعام الجسد.
 
ويسألهم الرّسول بولس أيضًا: "ألعلّه ليس لنا سلطان أن نجول مع أخت زوجة كباقي الرّسل وإخوة الربّ وصفا؟". بالطبع لهما السلطان أن تكون لكلّ منهما زوجته وأبناؤه الذين يرزقه بهم الله. فالزواج خير عظيم، وموهبة حسنة من لدن الله.
 
إذًا، كان بإمكان الرّسولين بولس وبرنابا أن يتزوّجا وأن يأخذا المادّيّات من الكورنثيّين – لا سيّما وأن ثمّة رسلاً كذبة تلقّوا من الكورنثيّين المساعدات المادّيّة والعينيّة - لكنّهما امتنعا طوعًا عن القيام بذلك. لماذا امتنعا وتحمّلا كلّ هذا العناء؟ يجيب الرّسول: "لِئَلَّا نَجْعَلَ عَائِقًا لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ"، أي لئلّا تكون استفادتهما من السّلطان الرسوليّ معثرة لبعض الضعفاء وتشكيكًا لقليلي الإيمان، ولئلّا يستنفد وقتَهما أيُّ أمر آخر سوى الكرازة بموت المسيح من أجلنا وقيامته، والاهتمام بمصلحة الإخوة، لا بحياتهما الشخصيّة.
 
لذلك على الكورنثيّين، وعلينا نحن أيضًا اليوم، التعلّم من مثال الرّسول بولس في أمورنا كجماعة مسيحيّة. لا يجدر بنا التباحث والجدال حول من هو بيننا على حقّ، ومن يفعل الصواب في الأمور البشريّة. نعم، علينا ألّا نؤذي الآخر بتشامخنا وعنادنا، ولو على الحقّ، بل الأَولى أن ننظر إلى "الضعفاء"، ونهتمّ بألّا نشكّكهم أو نكون معثرة لضميرهم (أنظر ١كور ٨: ٩). "فالعلم ينفخ، لكنّ المحبّة تبني"، كما كتب الرّسول في بَدء مناقشته لمسألة الأكل من طعام الأوثان (١كور ٨: ١). فلننظر ألّا نغالي في استعمالنا المشروع لسلطاننا على حساب الأخ الضعيف، "فَيَهْلِكَ بِسَبَبِ مَعْرِفَتِكَ الأَخُ الضَّعِيفُ الَّذِي مَاتَ الْمَسِيحُ مِنْ أَجْلِهِ." (١كور ٨: ١١). المحبّة هي المعرفة الأسمى (أنظر ١كور ٨: ٢-٣). من كان قويًّا وله السطان، عليه أنْ يُحبّ بقوّة كما أحبّنا السيّد القدّوس.
 
+ الأرشمندريت يعقوب خليل
معهد القدّيس يوحنّا الدمشقيّ اللّاهوتيّ
 
طروباريَّة القيامة باللَّحن الثاني
عندما انحدرتَ إلى الموت، أيُّها الحياةُ الذي لا يموت، حينئذٍ أمتَّ الجحيمَ ببرق لاهوتِك. وعندما أقمتَ الأمواتَ من تحتِ الثَّرى صرخَ نحوَك جميعُ القوَّاتِ السَّماويّين: أيُّها المسيحُ الإله معطي الحياةِ، المجدُ لك.
 
طروباريَّة رقاد السيّدة باللحن الأوّل
في ميلادكِ حَفظْتِ البتوليَّة وصُنتِها. وفي رُقادِكِ ما أهْمَلتِ العالم ولا ترَكتِهِ يا والدة الإله. لأنَّك انتقلتِ إلى الحياة بما أنّكِ أمُّ الحياة. فبِشفاعاتك أَنقذي من الموتِ نفوسَنا.
 
قنداق رقاد السيّدة باللحن الثاني
إنّ والدةَ الإله التي لا تَغفلُ في الشَّفاعات، والرجاءَ غيرَ المردودِ في النجدات، لم يضبُطها قبرٌ ولا موتٌ. لكن، بما أنّها أمُّ الحياة، نقلها إلى الحياة الذي حلَّ في مستودعها الدائم البتوليّة.
 
الرِّسالَة
1 كو9: 2-12
قوّتي وتسبحتي الربُّ، 
أدبًا أدَّبني الربُّ، وإلى الموتِ لم يُسَلِّمني.
 
يا إخوةُ، إنَّ خاتَمَ رسالتي هوَ أنتم في الربّ. وهذا هو احتجاجي عندَ الذينَ يفحصونَني. ألعلَّنا لا سلطانَ لنا أن نأكلَ ونَشَرب؟ ألعلَّنا لا سلطانَ لنا أن نجولَ بامرأةٍ أختٍ كسائر الرسلِ وإخوةِ الربِّ وصفا؟ أم أنا وبَرنابا وحدَنا لا سلطانَ لنا أن لا نشتَغِلَ؟ مَن يتجنَّدُ قطُّ والنفقةُ على نَفسِه؟ مَن يغرِسُ كرماً ولا يأكلُ من ثمرهِ؟ أو مَن يرعى قطيعاً ولا يأكُلُ من لَبَن القطيع؟ ألعلّي أتكلَّمُ بهذا بحسبِ البشريَّة، أم ليسَ الناموسُ أيضًا يقولُ هذا؟ فإنّهُ قد كُتبَ في ناموسِ موسى: لا تَكُمَّ ثوراً دارساً. ألعلَّ اللهَ تَهمُّهُ الثِيران، أم قالَ ذلك من أجلِنا، لا محالة؟ بل إنَّما كُتِبَ من أجلنا. لأنَّه ينبغي للحارثِ أن يحرُثَ على الرَجاءِ، وللدارسِ على الرجاءِ أن يكونَ شريكًا في الرجاءِ. إن كُنَّا نحنُ قد زَرَعنا لكم الروحيَّاتِ أفيكونُ عَظيماً أن نحصُدَ مِنكُمُ الجسديَّات؟ إن كانَ آخَرونَ يشتركونَ في السّلطان عليكم أفلَسنا نحنُ أَولى؟ لكنَّا لم نستعملْ هذا السُلطانَ، بل نحتَمِلُ كلَّ شيءٍ لئلاَّ نُسبِّبَ تعويقاً ما لِبشارةِ المسيح.
 
الإنجيل
متّى 18: 23-35 (متّى 11)
 
قال الربُّ هذا المثَل: يُشبِه ملكوتُ السماوات إنساناً مَلِكاً أراد أن يحاسِبَ عبيدَهُ. فلمَّا بدأ بالمحاسبةِ أُحضِر إليهِ واحدٌ عليهِ عشَرَةُ آلافِ وزنةٍ. وإذْ لم يكنْ لهُ ما يوفي أَمَرَ سيِّدُهُ أن يُباعَ هو وامرأتُهُ وأولادُهُ وكلُّ ما لهُ ويُوفى عنهُ. فخرَّ ذلكَ العبدُ ساجداً لهُ قائلاً: تمهَّلْ عليَّ فأُوفيَكَ كلَّ ما لَك. فَرَقَّ سيّدُ ذلك العبدِ وأطلقَهُ وترك لهُ الدَّين. وبعدما خرج ذلك العبدُ وجدَ عبدًا من رُفَقائهِ مديوناً لهُ بمائةِ دينارٍ، فأمسَكَهُ وأخذ يَخْنُقُه قائلاً: أَوفِني ما لي عليك. فخرَّ ذلك العبدُ على قَدَميهِ وطلبَ إليهِ قائلاً: تمهَّلْ عليَّ فأُوفيَكَ كلَّ ما لَك. فأبى ومضى وطرَحهُ في السجنِ حتى يُوفيَ الدَّين. فلمَّا رأى رُفقاؤُهُ ما كان حَزِنوا جدًّا وجاؤُوا فأعْلَموا سيّدَهم بكلِّ ما كان. حينئذٍ دعاهُ سيّدُهُ وقال لهُ: أيُّها العبدُ الشرّيرُ، كلُّ ما كان عليك تركتُهُ لك لأنّك طلبتَ إليَّ، أفمَا كان ينبغي لك أنْ ترحَمَ أنتَ أيضاً رفيقَك كما رحِمْتُك أنا؟ وغضِبَ سيّدُهُ ودفعهُ إلى المعذِّبينَ حتى يوفيَ جميعَ ما لهُ عليهِ. فهكذا أبي السماويُّ يصنعُ بكم إنْ لم تَتركوا من قلوبِكم كلُّ واحدٍ لأخيهِ زلَّاتِهِ.
 
في الإنجيل
 
إنجيل اليوم يرسم بجلاء ترتيب مسيرة الإنسان الروحيّة من العبوديّة إلى الحرّيّة. الملك في المثل الإنجيليّ هو الآب السماويّ يُحاسب عبيدهُ داخل الكنيسة دائماً؛ كلّ اجتماع للمؤمنين، لا سيّما في القدّاس الإلهيّ، هو اتّصال بالله الآب. فالكنيسة خيمة اجتماع الله مع الناس ندخل إليها، كمؤمنين، بعشرة آلاف وزنة لنطلب الاِنعتاق من ديوننا. الإحساس بديننا هو نتيجة الإيمان الحيّ بأنّ الله حاضرٌ في كلّ زوايا حياتنا. نرى في المثل الإنجيليّ مواجهة مع الملك؛ هذا ما يحصلُ معنا عن طريق الصلاة الصادقة، التي هي خروج من التفرّد وانفتاحٌ نحو الله الذي يُبيِّن لنا ثروتنا المسلوبة والمُختلسة. أمامَ الله تُكشف لجّة شرورنا.
 
قُدِّم إليه واحدٌ مَدين له بعشرة آلاف وزنة. فالإنجيل يقول إنّ الدَّين كان قرضاً: "فتحَنّن سيّدُ ذلك العبد وترك له ديونهُ" (متّى 18: 27). ما هو القرض الذي نأخذه من الله ونحن مدينون بإرجاعه؟ قرضُ الله هو كلّ كلمة إلهيّة نسمعها في الكنيسة التي نُدان عليها "كمدينين بسماع آلاف الأقوال من الله... الله يُعطينا نعمته دائماً، وبطرائق كثيرةٍ، ونحن ندين له باستثمارها، مُنمِّين بذار الفضائل في داخلنا. إيفاء الدَّين إلى الله هو كلّ وجودنا، وإحياء صورة الله فينا. نحنُ ندين لهُ بعطاياه الكثيرة، كما لو بعشرة آلاف وزنة. وإيفاء الدَّين لله يكون بصلاةٍ إليه متواضعة: "تمهّل علينا....".
 
إنّ انعدام الشفقة لدى العبد تجاه رفيقه وما فيه من نكران لرحمةِ السيّد يذكّرنا بأنّ كلّ صلاة نقوم بها وغفرانٍ للخطايا يجب ألّا يكونا شكليّين، لأنّ نعمة الله لا تنتقل شكليًّا؛ هذا بالإضافة إلى أنّ الاِعتراف بالخطيئة ليس دائماً برهاناً للتوبة، كما أنّه ليس افتخارًا وحسب، بل هو مرتبط أوّلاً بإدانة الذات وبالرّغبة في تغيير طريقة الحياة وفي إتمام مشيئة الله في حياتنا الشخصيّة.
 
الله يترك لنا ديونَنا ويطلب منّا الرّحمة والشفقة والمحبّة نحو إخوتنا البشر، وإلّا بقي دَيننا غير مُسدّد. فعلاقتنا مع الله تنتظم بحسب مواقفنا تجاه الناس. لنملكنّ روح المسامحة في داخلنا ولا نكوننَ فرّيسيّين في عبادتنا وفي إدانتنا للآخرين، ولا نجعلنَّ ذواتنا ملوكاً فوق الملك، لأنّ حكم الله قاسٍ على عديمي الشفقة، ولئلّا نسمع منهُ تلك النغمة القاسية: ينبغي لك أن ترحم أنت رفيقك َكما رحمتُك أنا.
 
السلوك المريميّّ
 
عيّدنا، منذ أيّام قليلة، لرقاد السيّدة العذراء؛ وهو عيد تهتمّ به الأرثوذكسيّة في كلّ كنائسها اهتمامًا خاصًّا، وأعطاه التُقى الشعبيّ مكانة مرموقة في التعبّد والتبرّك من أيقونة العيد المقدّسة. يمكن أن يُعْتبر هذا التعميم صدفة، لكن، ولأنّ الشعب هو حافظ الإيمان في كنيستنا، لا بدّ من أن نرتقي إلى ما هو أسمى من الشكل التقويّ ونسأل عن سببٍ عميق متجذّر في حياة المؤمنين عبر السنوات التي رافقت نموّ الكنيسة من جهة، وتجلّي شخصيّة مريم في الفكر الكنسيّ من جهة أخرى. لذلك سيتمّ، في ما يلي، تسليط الأضواء على خمسة أحداث: بشارة الملاك، تقدمة السيّد إلى الهيكل، بقاء يسوع في الهيكل بعد العيد، عرس قانا الجليل، ومرحلة آلام السيّد.
عندما بشّر الملاك العذراء، وعت فورًا غرابة البشرى، من جهة، وما يترتّب عليها من عواقب، من جهة أخرى. لكنّ هذا لم يجعلها تتردّد في أن تقول للمبشّر: "هاءَنذا أمة للربّ، فليكن لي حسب قولك!". هذا يعني أنّ من يسكنه إيمان كإيمان مريم، يثق بأنّ الربّ هو الذي يقوّيه لكي يتعامل مع الآخرين باللطف الذي تفرضه المحبّة المواكبة للإيمان. فالثقة بالله لا تتماشى والتكبّر والتسلّط، كما أظهرت بعد ذلك تصرّفات والدة الإله.
 
عندما أخذ سمعان الشيخ الطفل يسوع من ذراعَي أمّه ليدخله إلى الهيكل، تنبّأ بأنّه، بسبب هذا الطفل، سيجوز سيف في قلب مريم. وهذا الكلام لا يطابق كلام الملاك لأنّ هذا الأخير بشّرها بأنّ المولود سيقود شعبه. لكن ثقة مريم لم تتزعزع. فهي جاهزة لتكون أمّ القائد، كما أنّها جاهزة لتقبّل الألم الذي ستسبِّبه هذه القيادة. المهمّ، بالنسبة لها، هو إرادة الله وكيف تكون هي أداة لهذه الإرادة من أجل خدمة مقاصد الله بين المؤمنين. لذلك، لزمت الصمت أمام سمعان الشيخ، وقبلت، بالتواضع نفسه، بشرى الملاك ونبوءة سمعان.
عندما بقي يسوع في الهيكل من دون أن يخبر الأهل الذين عادوا من أورشليم إلى ديارهم بعد العيد، خافت مريم كأمّ، وعاتبت من هو بالنسبة للجميع مراهقٌ. أمّا جوابه لها "عليّ أن أصنع إرادة أبي الذي في السموات" فبقي سرًّا بينهما، إذ يقول الكتاب إنّ "مريم كانت تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها". ولكون مريم حافظة الوديعة، ومسؤولة عن رعايتها البشريّة، وعت ضرورة مراعاة الشكل البشريّ كي لا يلحق الرسالة أيّ أذى. إلّا أنّها فعلت ذلك بخفر ووداعة لأنّ محرّكها هو التواضع أمام جسامة المهمّة. أن تكون مسؤولاً عن مهمّة إلهيّة هو سبيل للتواضع وليس للانتفاخ.
 
عندما نفذ الخمر في عرس قانا الجليل، طلبت مريم! هذه المرّة الوحيدة التي تطلب فيها مريم شيئًا من ابنها. لكن طلبت من أجل الغير. طلبت لأنّها تريد أن تخدم. لم تأبه لجواب السيّد. فكأنّها هي التي أعلنت أنّ "الساعة قد أتت". قول الربّ "ما لي ولك يا امرأة" بقيَ أيضًا سرًّا بينهما، فهما يدركان تمامًا أنّه لا بدّ من أن تبدأ المسيرة التي ستنتهي بالجلجلة. حاجة الناس إلى عطف المعلّم هي محرّك مريم وليس حاجتها هي. من يحملْ على كتفَيه ثقل الرسالة، ويملأِ الإيمان قلبه، لا يسألْ لنفسه. هو يسأل فقط من أجل الآخرين. وبهذا المعنى نحن نقول إنّها شفيعتنا تجاه المخلّص.
 
عندما اقتاد الجند السيّد إلى الآلام، بقيت مريم رفيقة الدرب حتّى اللحظة الأخيرة. لكن لم يذكر الكتاب اسم والدة الإله بين اللواتي ذهبن باكرًا إلى القبر ليحنّطنَ الجسد! يحلو لي أن أفكّر أنّه، بالرغم من حادثة الصلب الأليمة، ثقتها بقول الملاك لم تتزعزع. وعت حينها أنّ نبوءة سمعان الشيخ تحقّقت، لكن إلى حين، لأنّ وعد الملاك أيضًا صادق: موت الربّ على الصليب ليس إلّا تفجيرًا للموت نفسه، وابنها غالب للموت لا محال، وهو سيقود الشعب الجديد الذي سيخرج من جنب الربّ. لذلك لم يكن عليها أن تذهب إلى القبر؛ هي مدركة أنّ ابنها قائم وأنّ مظاهر الموت مدعوّة أن تُغْلَب.
 
هذا ما دعته الأرثوذكسيّة "مريميّة السلوك". تثق، تتواضع، تنسحق. تطلب ما لغيرك وليس ما لنفسك. تترفّع عن المظاهر لأنّ ربّك وحّد نفسه مع المساكين. لا تحسب لنفسك حسابًا لأنّ إرادته وحدها هامّة. لا تتسلّط مهما كان موقعك، لأنّه يحب المساكين بالروح الذين يثقون بالله لا بأنفسهم. كرّمت استقامة الرأي مريم ودعتها "والدة الإله" ليس لأنّها ولدته بالجسد، بل لأنّها علّمتنا كيف نحمله ونلده للعالم كلّ يوم بشرى خلاص ومحبّة وتواضع.
 
في أيّام عصيبة كالتي نعرفها اليوم، وعلى أكثر من صعيد في الكنيسة، أن نتذكّر مريم وموقف استقامة الرأي منها أمرٌ عظيم.
 
أخبارنا
 
مدرسة الموسيقى الكنسيّة 
تفتح مدرسة الموسيقى الكنسيّة باب التسجيل للطلاب القدامى والجدد، (من عمر 12 سنة وما فوق)، عبر الاِتّصال بدار المطرانيّة من 21 آب 2017 إلى 31 منه.
 
علماً أنّ الدروس تبدأ يوم الجمعة 1 أيلول 2017، في تمام الساعة الخامسة مساءً، في ثانويّة سيّدة بكفتين الأرثوذكسيّة.
 
عيد القدّيس سمعان العموديّ في رعيّة فيع
 
برعاية راعي الأبرشيّة المتروبوليت أفرام (كرياكوس) تحتفل رعيّة فيع بعيد شفيعها القدّيس سمعان العموديّ، بصلاة الغروب والخمس خبزات والقمح والخمر والزيت التي تقام مساء الخميس 31 آب 2017 الساعة السادسة، وبالقدّاس الإلهيّ الذي يُقام نهار الجمعة الواقع فيه 1 أيلول 2017. تبدأ صلاة السحريّة الساعة الثامنة صباحاً .
 
ونذكّر بأنّ الرعيّة تدعو إلى محاضرة روحيّة يلقيها قدس الأرشمندريت يعقوب خليل بعنوان "النسك والصّلاة في الحياة المسيحيّة"، وذلك مساء الأحد الواقع فيه 27 آب 2017 الساعة السادسة، في كنيسة مار سمعان فيع.
 
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies